تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وللإمام أبي محمد الفراء المعروف بالبغوي قول آخر في بداية بغيه على قومه فقد كان أول بغيه أن الله أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربع في كل طرف خيط أزرق كلون السماء يذكروني به إذا نضروا إليها ويعلمون أني منزل منها كلامي , فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم إن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط. فقال له ربه: يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير , فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في لأمر الكبير , فدعاهم موسى عليه السلام وقال: إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها. ففعلت بنوا إسرائيل ما أمرهم به موسى واستكبر قارون فلم يطعه وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم , فكان هذا بدء عصيانه وبغيه .. وكان هذا الحدث قبل عبور موسى البحر ببني إسرائيل.

وسواء كان بغي قارون قبل عبور بني إسرائيل البحر أم بعده , فالثابت انه بغى على قومه وأنه كان كثيرا ما يؤذي ابن عمه موسى عليه السلام ..

ويذكر الإمام الزمخشري صاحب الكشاف: أنه كان اعلم بني إسرائيل بالتوراة , وقيل أنه كان قد استوفى علم الكيمياء , بعد أن خدع يوشع بن نون وقالب بن يوفنا , فأخذ منهما ما كان موسى قد علمهما إياه من دقائق هذا العلم فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا ..

فكان أن أسبغ الله عليه من نعمته وفتح عليه من خزائن رحمته , وآتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة كما أخبر القرآن بذلك , حتى كانت تحمل مفاتح خزائنه ستون بغلا لكل خزانة مفتاح ولا يزيد المفتاح على الإصبع.

وقيل في وصف غناه أنه كان يخرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلاثمائة غلام وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج. وقيل: في تسعين ألفا عليهم المعصفرات وكان ذلك أول ما رؤي فيه المعصفر ..

ولكن يبدو أن بسطة النعيم الوارفة تلك لم تكن لتصرف قارون عن حسده ابن عمه موسى والكيد له , فقد كان يؤذي موسى كل ما وجد لذلك سبيلا , وكان موسى يداريه للرحم التي بينهم ..

حتى إذا شرع الله الزكاة على بني إسرائيل , صالحه موسى على دينار عن كل ألف دينار ودرهم عن كل ألف درهم فاستكثرها قارون وشحت بها نفسه.

ثم ما لبث قارون أن جمع بني إسرائيل وقال: إن موسى أرادكم على كل شيء وهو يريد أن يأخذ أموالكم!! فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا فمر بما شئت. ففكر .. ثم نظر .. ثم قدر .. فقتل كيف قدر .. فكان الرأي أن يبرطل فلانة البغي حتى ترميه بنفسها فيرفضه بنوا إسرائيل!! فجعل لها ألف دينار. وقيل طستا من ذهب .. وقيل: طستا مملوءا ذهبا.

فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه , ومن افترى جلدناه , ومن زنى وهو غير محصن جلدناه , وإن أحصن رجمناه , فقال قارون: وإن كنت أنت؟! قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة!! فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق , فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك لنفسي , فخر موسى ساجدا يبكي وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي , فأوحى إليه: أن اأمر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك!!

فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي فليعتزل , فاعتزلوا جميعا غير رجلين , ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشده بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم ..

وقيل إن الله أوحى لموسى: يا موسى استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم , أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا.

فأصبحت بنوا إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه!! فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله.

وعن قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة .. وتلك كانت خاتمة قارون.

* * *

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير