تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقد طويت جمل مِن وراء {حتى}، والتقدير: إلا لمن أذن له ويومئذٍ يبقى الناس مرتقبين الإِذن لمن يشفع، فَزعين من أن لا يؤذن لأحد زمناً ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حينَ يؤذن للشافعين بأن يشفعوا، وهو إيجاز حذف.

{قُلِ ?دْعُواْ ?لَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ?للَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ?لسَّمَ?وَ?تِ وَلاَ فِي ?لأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} * {وَلاَ تَنفَعُ ?لشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى? إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ?لْحَقَّ وَهُوَ ?لْعَلِيُّ ?لْكَبِيرُ}

و {إذا} ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة {فزع عن قلوبهم} ومتعلق بـ {قالوا}.

و {فزع} قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة، وهو مضاعف فزع. والتضعيف فيه للإِزالة مثل: قشّر العود، ومَرَّض المريض إذا باشر علاجَه، وبُني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم، ففيه جانب الآذن فيه، وجانب المبلغ له وهو الملك.

والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن الله أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم: {ماذا قال ربكم} ليعلموا من أُذِن له ممن لم يؤذن له، وهذا كما يكَرِّر النظَرَ ويُعَاوِد المطالعَةَ مَن ينتظر القبول، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخَشية فإنهم إذا فُزِّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق.

فضمير {قالوا ماذا قال ربكم} عائد على بعض مدلول قوله: {لمن أذن له}. وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين، وضمير {قالوا الحق} عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة.

ويظهر أن كلمة {الحق} وقعت حكاية لمقول الله بوصف يجمع متنوع أقوال الله تعالى حينئذٍ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال: ماذا قال القاضي للخصم؟ فيقال: قال الفصلَ. فهذا حكاية لمقول الله بالمعنى.

وانتصاب {الحق} على أنه مفعول {قالوا} يتضمن معنى الكلام، أي قال الكلام الحق، كقوله:

وقصيدةٍ تأتي الملوك غريبة قد قلتُها ليقال من ذا قالها

هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها. وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قدداً، وتفرقوا بَدَداً بَدَداً.

و (ذا) من قوله: {ماذا} إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل: {ماذا قال}: ما هذا الذي قال، فلما كثر استعمالها بدون ذِكر اسم الموصول قِيل إن (ذا) بعد الاستفهام تصير اسم موصول، وقد يذكر الموصول بعدها كقوله تعالى:

{من ذا الذي يشفع عنده}

[البقرة: 255].

وقرأ ابن عامر ويعقوب {فزع} بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء للفاعل، أي فَزّع الله عن قلوبهم.

وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري " أن الله يقول لآدم: «أخرج بعث النار من ذريتك» "، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المحشر كلهم " ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار " وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له: «سل تُعْطَ واشفع تُشَفّع»، وفي حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه».

وجملة {وهو العلي الكبير} تتمة جواب المجيبين، عطفوا تعظيم الله بذكر صفتين من صفات جلاله، وهما صفة {العلي} وصفة {الكبير}.

{قُلِ ?دْعُواْ ?لَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ?للَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ?لسَّمَ?وَ?تِ وَلاَ فِي ?لأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} * {وَلاَ تَنفَعُ ?لشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى? إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ?لْحَقَّ وَهُوَ ?لْعَلِيُّ ?لْكَبِيرُ}

والعلو: علوّ الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم.

والكبر: العظمة المعنوية، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة، وتخصيص هاتين الصفتين لمناسبة مقام الجواب، أي قد قضى بالحق لكل أحد بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ولا يجوز دونه حائل. وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله: {وأن الله هو العلي الكبير} في سورة الحج (62).

واعلم أنه قد ورد في صفة تلقّي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري وغيره: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحقّ وهو العلي الكبير " ا هـ. فمعنى قوله في الحديث: قضَى صدَر منه أمر التكوين الذي تتولى الملائكة تنفيذه، وقوله في الحديث: " في السماء " يتعلق بـ «قضى» بمعنى أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقرّ الملائكة، وقوله: «خُضْعَاناً لقوله» أي خوفاً وخشية، وقوله: {فزع عن قلوبهم} أي أزيل الخوف عن نفوسهم.

وفي حديث ابن عباس عند الترمذي " «إذا قضى ربنا أمراً سبح له حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال: «ثم أهل كل سماء» " الحديث. وذلك لا يقتضي أنه المراد في آية سورة سبأ وإنما هذه صفة تلقي الملائكة أمر الله في الدنيا والآخرة فكانت أقوالهم على سنة واحدة.

وليس تخريج البخاري والترمذي هذا الحديث في الكلام على تفسير سورة سبأ مراداً به أنه وارد في ذلك، وإنما يريد أن من صور معناه ما ذكر في سورة سبأ.

وهذا يغنيك عن الالتجاء إلى تكلفات تعسّفوها في تفسير هذه الآية وتعَلّقها بما قبلها.

... "

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير