تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ولقد فات الدكتور أن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها، وأن أي ترك لأقوال الصحابة، يعني انقطاع الصلة بيننا وبين المصدر المبلغ عن الله دينه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ولئن استطاع العقل أن يعرف بعض أمور القرآن فسيخفى عليه جزء منها، وهو ما حصل للدكتور نفسه حيث قال: " ولا ينفي هذا أن توجد بعض تعبيرات أو ألفاظ يعجز عنها المثقف ثقافة عامة، ولكن هذا لا يمس الأثر الانطباعي الذي يأتي من النظم الموسيقي للقرآن والطبيعة التأكيدية واليقينية للقرآن بحكم صدوره من الله، فلا يخسر القارئ أو المستمع شيئا إذا جهل معنى كلمة " [26] ا. هـ.

وهذا المسلك في تهوين عدم فهم شيء من ألفاظ القرآن بحجة أن العقل لم يعرف معناها ولم يجد ما يفسرها من القرآن على حد زعمه، قاد الدكتور إلى مصيبة أعظم، وهي قوله: " فلنؤمن بهذه الآيات بما وقَرَ في قلوبنا ولكن لا ندعي أن فهمنا هو الصواب وغيره باطل " [27] ا. هـ

ومن هنا جاءت فكرة تعددية المعاني، وهي احتمال النص أكثر من معنى، وهي ما سبق بيانه، وتأكيدا له فقد قال الدكتور: " والحقيقة نفسها متعددة الأبعاد " ا. هـ

وهي ما دخل من خلاله الزنادقة قديما، ولكل قوم وارث.

خامسا: الطعن في مرويات السنة في التفسير

من الركائز التي اعتمد عليها الدكتور في تفسيره أنه استغل دخول أحاديث كثيرة لا تصح؛ بل من قبيل الوضع = للطعن على مرويات السنة، فمن يقرأ كلام الدكتور يتقرر لديه أن الأصل عدم الوثوق بالسنة التي فسرت القرآن، وأن ابن عباس رضي الله عنهما له روايات كثيرة مكذوبة عنه، ولن أتكلم عن منهج الدكتور في السنة النبوية فقد عرضها في كتابه " نحو فقه جديد " لكني سأقتصر على جزء من ذلك وهو منهجه في السنة التي تخدم التفسير، فهو يرى أن هناك عوامل ساعدت على انتشار الوضع، منها:

1 ـ أن السنة لم تدون إلا بعد مرور المائة سنة الأولى من عصر الإسلام، فكان الناس خلال مائة سنة يتداولون الأحاديث شفهيا، وشيء بدهي عدم التوثيق في ذلك، لأن الذهن لا بد أن يغلط، والحافظة تخون.

2 ـ أن معظم أحاديث التفسير تدور على ابن عباس، وهو من صغار الصحابة رضي الله عنهم، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فلم يسمع منه كثيرا من الأحاديث.

3 ـ قبل تدوين السنة مرت الأمة بحالات من الفتن بدايتها قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت هذه المرحلة في نظر الدكتور مرحلة زاهرة للوضع في الحديث النبوي مما يحتج به أهل كل منهج لمنهجهم، والقرآن مستند كل فرقة، فكان من يريد الوضع يأتي إلى القرآن ويركب عليه أسانيد ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هنا يرى الدكتور " أن مئات من الأحاديث الموضوعة لا تزال موجودة في كتب الصحاح " [28] ا. هـ.

4 ـ افتراض التعارض بين القرآن والسنة النبوية، من غير أن يتهم العقل بعدم القدرة على الجمع، فإذا جاء حديث كان ظاهره يخالف آية لا يتردد الدكتور في ترك الرواية بل يتعدى إلى مرحلة الطعن على الرواية ولو كانت متفقا عليها، كما فعل في الحديث الصحيح " من بدل دينه فاقتلوه ".

والدكتور يستغل أحاديث الوضع ليجدها فرصة ليستدل من السنة بما يظن أنه يؤيد أفكاره، ويترك منها يشاء، ومن هنا رفض فكرة تفسير القرآن بالسنة، فقال: " لقد كفانا الله تعالى المؤنة عندما قال " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " القمر 17

وكررها أربع مرات .. ولم يكن القرآن ليكررها إلا ولها حقيقة وحقيقتها ما ذكرنا أن القرآن يعطي أثره بالانطباع لدى كل واحد يريد أن يذكر " [29] ا. هـ.

وأثار الدكتور إشكالا على ذلك وهو أن هذا المذهب يثير البلبلة، وهي الشكوك، فكان جوابه: " وقد يقال إن هذا يحدث البلبلة، والإسلام لا يضيق بالبلبلة لأنها هي أول خطوة للوصول إلى الحقيقة " [30] ا. هـ.

ويذكرني هذا بمذهب بعض الفرق الكلامية في أول واجب على المكلف، حيث قالوا

" أول الواجبات الشك لأن القصد إلى النظر بلا سابقة شك يقتضي طلب تحصيل الحاصل " [31].

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير