تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وإذا كان هذا السِّفْر من سلسلة (أدباء مكرمون) لم يقترن بإخوته إثر التكريم؛ فلأن الزمن أبى إلا أن يسوق مركبي إلى شاطئ عالمنا الفحّام، وأبت الأقدار إلا أن تتم فضلها عليَّ ليرى هذا السفر النور في هذه الأيام ... ومن ثم لنعاهد صديقنا الدكتور عرسان على الاقتداء بمنهجه الطيّب مرددين قول الشاعر:

لسنا وإن كَرُمت أوائلنا = يوماً على الآباء نتكلُ

نبني كما كانت أوائلنا = تبني ونفعل مثلما فعلوا

ومن ثمّ يمكنني أن أقول: حين يختصّ التكريم بأحد العلماء الأفذاذ من أبناء بلدي الذين أنيطت بهم الآمال الكبار في حراسة الهوية العربية وثقافتها وتراثها ولغتها فإن هذا التكريم يصبح له مذاق خاص ... فالأستاذ الدكتور شاكر الفحّام يتميّز بسيرة ذاتية وعلمية وفكرية ندرَ لأحد من الناس أن يضاهيه فيها.

فقد نذر نفسه وحياته للذود عن هذه الأمة وصون لغتها وتراثها، فكان الباحث المجلي الذي لا يشق له غبار، والمحقق المقتدر على تصيّد شوارد الأفكار، وشذرات الأساليب الأدبية الرفيعة ... منذ أن كان معلماً في وزارة التربية سنة (1941م) ثم مدرساً في قسم اللغة العربية (1961م) بجامعة دمشق إلى أن أصبح مسؤولاً في سدّة القرار وسنامه في رئاسة جامعة دمشق (1968م) ووزيراً للتربية (1963م) ثم وزيراً للتعليم العالي (1980 - 1994م) ثم رئيساً لمجمع اللغة العربية (1993 - وإلى اليوم) فضلاً عن رئاسته للموسوعة العربية، وعضويته في عدد من الهيئات والمجامع اللغوية العربية والعالمية مثل (مجمع اللغة العربية بالقاهرة والأردن، والمجمع العلمي في العراق والهند، ومعهد المخطوطات العربية، وأكاديمية المملكة المغربية) وغيرها.

وما زال سادناً للغة والثقافة العربية، يحرسهما بأهداب عيونه، ويدافع عنهما بكل قوّة واقتدار، ويرفع عنهما الضيم، ويزيل الفساد وبلبلة الألسن، وينصَبُّ على العابثين بهما والمناوئين لهما كالسيل العرم ... وحينما يتناهى إلى آذانه لَحْن هنا وخطأ هناك تراه ينتفض كالمارد الثائر ... وتستشعر منه الغضب الشديد لغيرته عليهما، وهو الحليم الصبور ... لقد حملَ قضايا أمته بين جوانحه وضلوعه منذ أن نشأ في أسرته إلى أن أصبح طالباً في جامعة (فؤاد الأول) ـ القاهرة اليوم ـ فكان يتلقفها من جهابذة الجامعة أمثال (الدكتور طه حسين والدكتور شوقي ضيف، والدكتور عبد الوهاب عزام، والأستاذ أحمد أمين وغيرهم؛ وهم من هم؛ مكانة وعلماً وفضلاً ... وظل هذا دأبه بعد أن شدّ الرحال ثانية إلى جامعة القاهرة سنة (1957م) ليستحق منها درجة الماجستير عن دراسة له في (بشار بن برد) قاربت (440) صفحة عام (1960م) والدكتوراه عن دراسة له في (الفرزدق) سنة (1963م) ...

لم يرضَ أن تشوّه لغته العربية صاحبة الأساليب الراقية والجميلة، ولم يُطق أن يرى تراثها توجه إلى الأصابع المشوّهة بالغَمْز واللمز، ولم تُهن عزيمته على كثرة الذين انهزموا ثقافياً وفكرياً وسياسياً أمام المدنية الغربية وفلسفتها ولغتها، لأنه يدرك قيمة ما يملك من لغة وتراث، وهو القائل: "إن لغة الأمة هي هويتها، وأداة التواصل بين أبنائها، تحفظ تاريخها وتراثها، وتروي آدابها ومآثرها، وتحفظ وحدتها من الفرقة والتشتت".

وحينما يتحدث المرء عن علمه فإنه يشهد له القاصي والداني بأنه كان المنارة الثقافية والعلمية للسالكين في دربه، وهو قبلة المعرفة لكثير من شُداة العلم، إليه قصدوا فذلَّل لهم صعابها؛ ومهّد لهم مناهجها، وفتح لهم النوافذ المغلقة، وأطلق عقولهم من عقالها لتنبسط لهم مباهج الحياة على ثقافة الآخر وفلسفته وإتقان لغته وهو القائل: "وإني إذ أشير إلى حرصي على اللغة العربية وسلامتها لابدّ أن أدعو ـ أيضاً ـ إلى العناية باللغات الأجنبية وإتقانها، لأننا في أشد الحاجة إلى متابعة الحركة العلمية والثقافية العالمية والنقل عنها، لنُغْني بها بحوثنا وثقافتنا".

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير