تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وأجاد في صياغة علاقة قائمة على أساس السمو الأدبي في كلا النموذجين، وأن ذلك يعني بالضرورة ضخامة التجربة الشعرية الجاهلية وطول عمرها حتى تصل إلى هذه المرتبة في الإبداع الفني. وكشف هذا الفصل عن وعي شاكر بإمكانات النقد العربي القديم في دراسة النص، وأن هذا النقد لم يواصل طريقه في دراسة الشعر ونقده، بل انعطف إلى صياغة مفاهيم البلاغة، وأن شاكرا كان يعلم أن هذه المفاهيم لم تكن قادرة على الدخول في قلب التجربة الفنية والكشف عن أسرارها. وفي الفصل الرابع أمكن التمييز بين مدخلين أساسيين في ممارسة شاكر النقدية هما: المدخل الشكلي الجمالي، والمدخل الأخلاقي، وأن الأول منهما هو تلخيص لكيفية تشكيل المعنى، وأن الآخر هو تركيز على ماهية المعنى. وقد وقفت عند ثلاثة تجليات أساسية في المدخل الشكلي هي: لغة النص، وموسيقى النص، والصورة الشعرية. فوضحت أن شاكرا قد فرق بين اللغة الأدبية واللغة العادية بما عمد إلىه الفنان في الأولى من تحريف مقصود في اللغة هو ما سماه شاكر بالإسباغ والتعرية. وأن الشاعر الجاهلي، ابن أخت تأبط شرا موضوع هذه الدراسة قد بنى قصيده على الإيجاز المبدع في اللغة، وأن شاكرا قد استدرك على الشراح القدماء غير قليل من فهومهم للغة الشعر، ثم جعل يزيد على نص اللغة حين وجد اللغة لا تفي بالمعنى الشعري. أما موسيقى النص، فهي إحدى تجليات وحدة القصيدة، وفيها كشف شاكر عن العلاقة المُسْتَسِرَّة بين اللغة والموسيقى والمعنى، وأماط اللثام عن طبيعة «بحر المديد» الذي بنيت علىه قصيدة «إن بالشعب الذي دون سلع» وما تقتضيه من لغة موجزة خاطفة الدلالة مدافعاً في خلال ذلك عن عظمة الإنجاز الموسيقي الذي تم على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي. أما الصورة الشعرية، فقد أوضح شاكر أن الطبيعة الموسيقية للنص قد فرضت على الشاعر أن يطرح التشبيه المسترسل، وأن يعمد إلى الصورة الدقيقة المحددة، وأن الصورة هنا هي تعبير عن انفعال عميق تجاه الأشياء، وأنها دالة على روح المبدع وطبيعة إحساسه الغزير بالأشياء. وفي إطار المدخل الأخلاقي بما هو تركيز على ما هية المعنى، بينت أن شاكرا لم يتجاوز حدود مغزى هذه التجربة الفردية، تجربة الشاعر في هذه القصيدة «إن بالشعب» وأن دراسته لم تتصل أسبابها بأسباب الموقف الوجودي للإنسان الجاهلي وتوقه الروحي العنيف للخلود وتأكيد الذات. لقد ثار شاكر على التهمة المندلقة على الشعر الجاهلي، وأنه شعر مضطرب مفكك الأجزاء مفتقر إلى الوحدة، فكانت دراسته رداً علميا متينا على هذه القالة، وأثبت أن هذه القصيدة بناء فني متكامل، آخذ بحظ وافر من مقومات الفن الأصيل، وكان مدخله الرائع «أزمنة النص» من أنبل الوسائل التي يسلكها الناقد للكشف عن تكامل النص ووحدته، واستغل شاكر الطبيعة الموسيقية للنص للدلالة على هذه الوحدة، واستطاع أن يجلو هذه القصيدة في أبهة التكامل والانسجام. لقد تنبه شاكر إلى سر قضية الشعر الجاهلي، وأدرك أنها «لم تكن قضية أدبية خالصة، لأن القضية الأدبية لا تقوم على ألفاظ من الهجاء، بل تقوم على دراسة مؤيدة بالبرهان والشواهد، وبالنفاذ إلى أعماق البيان الإنساني في عصوره المختلفة، أي بالنقد الذي يكشف أسرار الجمال، كما يكشف بعض ما أحاط به من العيوب، أما أن تفضي «قضية ما» إلى احتقار شامل وازدراء واستهانة واستخفاف، ثم إلى إعراض ناشئة الأجيال، لا عن الشعر الجاهلي وحده، بل عن الشعر العربي كله، بل عن اللغة نفسها، إعراضا لا مثيل له في تاريخ الأمم، فهذا شيء لا تنتجه قضية أدبية وأيضا، أدرك شاكر خطورة «المحنة» التي ابتلي بها الشعر الجاهلي، فكتب هذه الدراسة «إكراما لناشئة الشعراء المحدثين والنقاد، فإن مآل هذا الأمر كله إليهم، فهم ورثة هذه اللغة بمجدها، وشرفها، وجمالها وفنها، لا ينبغي أن يضللهم عنها، أو يبعثر خطاهم إليها، من عمد إلى إرث آبائهم من لدن إبراهيم وإسماعيل علىهما السلام إلى يوم الناس هذا، فسماه لهم «تراثا قديما»، ليجعله عندهم أثرا من الآثار البالية، محفوظا في متاحف القرون البائدة، ينظر إليه أحدهم نظرة من وراء زجاج ثم ينصرف. فإذا أتاح الله لهم، أو لبعضهم، أن يطأ هذا الضلال بكبرياء الفن وعظمته وصراحته وحريته، فقد ذلل لمن بعده وعورة الطريق إلى الذرى الشامخة، وأزاح من مجرى النهر المتدفق

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير