تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ما إن مدحت محمداً بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمد

ولا شك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف عمر

رضي الله عنه فقال له عمر: استخلف غيري فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما حبوناك بها

وإنما حبوناها بك.

وهكذا فعل ابن الرومي فمما جاء له قوله:

جرحته العيون فاقتص منها بجوى في القلوب دامي الندوب

سبقه أبو تمام فقال:

أدميت باللحظات وجنته فاقتص ناظره من القلب

وكذلك قول ابن الرومي:

وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي وكفى به متقاضيا ووكيلا

سبقه أبو تمام فقال:

وإذا المجد كان عوني على المر - ء تقاضيته بترك التقاضي

وكذلك قال ابن الرومي:

وما لي عزاء عن شبابي علمته سوى أنني من بعده لا أخلد

سبقه منصور النمري فقال:

قد كدت أقضي على فوت الشباب أسا لولا تعزي أن العيش منقطع

فدى نفسه بضمان النضار وأعطى صدور القنا الذابل

أخذه من قول الفرزدق:

كان الفداء له صدور رماحنا والخيل إذ رهج الغبار مثار

وكذلك قوله أيضا:

أين أزمعت أيهذا الهمام نحن نبت الربا وأنت الغمام

أخذه من بشار حيث قال:

كأن الناس حين تغيب عنهم نبات الأرض أخطأه القطار

وكذلك قوله:

فلا زالت ديارك مشرقات ولا دانيت يا شمس الغروبا

لأصبح آمنا فيك الرزايا كما أنا آمن فيك العيوبا

أخذه ابن الرومي حيث قال:

أسالم قد سلمت من العيوب ألا فاسلم كذاك من الخطوب

والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم: إما بأن يأخذ المعنى

فيزيده على معنى آخر أو يوجز في لفظه أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته.

ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه وتكثر البشاعة به وهو: أن يأخذ

الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن

وتلك القافية ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها

منه والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد أو صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم

لأمرها.

وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها:

غيري بأكثر هذا الناس ينخدع

لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته إن كان أسلمها الأصحاب والشيع

وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها:

أي القلوب عليكم ليس ينصدع

وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو:

ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه في الروع إذ غابت الأنصار والشيع

وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى

حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه.

الضرب الرابع من السلخ: وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن

حد السرقة.

فمن ذلك قول أبي نواس:

قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم أشهى المطي إلي ما لم يركب

كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب

فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك:

إن المطية لا يلذ ركوبها حتى تذلل بالزمام وتركبا

والحب ليس بنافع أربابه حتى يفصل في النظام ويثقبا

ومن هذا الباب قول ابن جعفر:

ولما بدا لي أنها لا تريدني وأن هواها ليس عني بمنجلي

تمنيت أن تهوى سواي لعلها تذوق صبابات الهوى فترق لي

وقال غيره:

ولقد سرني صدودك عني في طلابيك وامتناعك مني

حذراً أن أكون مفتاح غيري وإذا ماخلوت كنت التمني

أما ابن جعفر فإنه تداءب وألقى عن منكبه رداء الغيرة وأما الآخر فجاء بالضد من ذلك

وتغالى به غاية الغلو.

وكذلك ورد قول أبي الشيص:

أجد الملامة في هواك لذيذة شغفا بذكرك فليلمني اللوم

أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال:

أأحبه وأحب فيه ملامة إن الملامة فيه من أعدائه

وهذا من السرقات الخفية جدا ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة.

وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا فمن ذلك قولي:

لولا الكرام وما سنوه من كرم لم يدر قائل شعر كيف يمتدح

أخذته من قول أبي تمام:

لولا خلال سنها الشعر ما درى بناة العلى من أين تؤتى المكارم

الضرب الخامس من السلخ: وهو أن يؤخذ بعض المعنى

فمن ذلك قول أمية بن الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:

عطاؤك زين لامريء إن حبوته ببذل وما كل العطاء يزين

أخذه أبو تمام فقال:

تدعى عطاياه وفراً وهي إن شهرت كانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفاً

ما زلت منتظراً أعجوبة زمناً حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفاً

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير