تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الْوَحْيَ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ!) (1) وإنما سمي القرآن "وَحْياً" لأنه نزل كذلك، قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: 19).

فالوحي – كما ترى - له دلالتان:

الوحي الحَدَثُ، أي النزول الخفي من السماء، وهو سبب النبوة، وهو الذي انقطع. والوحي الصفة، وهو لا ينقطع أبداً. وعليه سمي هذا القرآن المجيد "وَحْياً". فالمعنى الأول مصدري، أي أنه مصدر لفعل "وَحَى، يَحِي وَحْياً" ويقال "أوحى" أيضا كما هو في القرآن الكريم. وأما المعنى الثاني فهو "الوحي" بالمعنى الاسمي لا المصدري، أي بما هو اسم من أسماء القرآن، وصفة من صفاته الجوهرية الثابتة. وهو معنى متولد من المعنى الأول؛ فلأن القرآن نزل وحيا من الله؛ صارت له تلك الصفة فسُمي: "وَحْياً"، وأصبح هذا اللفظ اسماً عَلَماً على كتاب الله تعالى. فلك أنت تقول: القرآن هو الوحي، والوحي هو القرآن. والآيات المذكورة قبلُ دالة على هذا.

قال الإمام الطبري رحمه الله: (أما "الوَحْيُ"، فهو: الواقع من الْمُوحِي إلى الْمُوحَى إليه، ولذلك سَمَّتِ العربُ الْخَطَّ والكِتَابَ "وَحْياً"؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِبَ، ثَابِتٌ فيه.) (2) وعلى هذا جرت معاجم اللغة. قال صاحب الصحاح: (الْوَحْيُ: الكتابُ، وجمعه وُحِيٌّ. والوَحْيُ أيضاً: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفيُّ، وكلُّ ما ألقيته إلى غيرك. يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو: أن تكلِّمه بكلامٍ تخفيه.) (3) وفي اللسان: (والوَحْيُ: المكتوبُ، والكِتَابُ أَيضاً. وعلى ذلك جمعوا فقالوا: وُحِيٌّ، مِثْلُ حَلْيٍ وحُلِيٍّ.) (4)

وقد يقول قائل هذه حقائق بَدَهِيَّةٌ فَلِمَ العَنَاءُ؟

أقول:

نعم؛ ولكننا ننساها فنضل الطريق إلى القرآن! ..

وإنما مشكلة أجيالنا المعاصرة أنها أضاعت بَدَهِيَّاتِهَا! حتى صرنا في حاجة إلى إعادة تقرير معنى "الدين" نفسه! (5)

نعم! إن تَلَقِّي القرآن بوصفه "وَحْياً" هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية، والتخلق بحقائقه الإيمانية العظمى!

النور .. تلك هي طبيعة الوحي وصِبْغَتُهُ، وصفته الثابتة للقرآن، حقيقة جوهرية لا تنفك عنه .. والنور روحٌ، لكنه روحٌ يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنما المؤمنون وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة، وهي تتدفق بالجمال والجلال!

ولكن كيف يكون هذا؟

لنعد إلى مثال النجم المذنَّب! ..

إن ذلك النَّيْزَكَ الناري الواقع من السماء إلى الأرض، ما يزال يحتفظ بأسرار العالم الخارجي الذي قَدِمَ منه! إنه فِهْرِسْتٌ مكنون، لو تدبرته لوجدته يكتنز خريطةَ الكون كله! ويحتفظ من الأسرار ما عجزت عن إدراكه أحدث مراصد الفلك، وأعقد معادلات الرياضيات، وأحدث نظريات الفيزياء! .. إنه لم يفقد حرارته ولا طاقته قط! وإنما حُجِبَ لهيبُه رحمةً بالناس، وتيسيراً لهم، وتشجيعا للسائرين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، والقبض عليه بأصابع غير مرتعشة، بل على احتضانه وضمه إلى القلب، نوراً متوهجاً بين الجوانح!

إن مَثَلَ القرآن ومَثَلَ الناس في هذا الزمان، هو كثلاثة مسافرين تَاهُوا في الصحراء بليل مظلم! صحارى وظلمات لا أول لها ولا آخر .. ! فبينما هم كذلك إذ شاهدوا في السماء نجماً مُذَنَّباً لاَهِباً، لم يزل يخرق ظلمات الأفق بنوره العظيم، حتى ارتطم بالأرض! فافترقوا ثلاثتهم إزاءه على ثلاثة مواقف:

فأما أحدهما فلم يُعِرْ لتلك الظاهرة اهتماماً، بل رآها مجرد حركة من حركات الطبيعة العشوائية! وأما الآخران فقد هرعا إلى موقع النَّيْزَكِ فالتقطا أحجارة المتناثرة هنا وهناك .. وكانا في تعاملهما مع تلك الأحجار الكريمة على مذهبين:

فأما أحدهما فقد أُعْجِبَ بالحجر؛ لِمَا وجد فيه من جمال وألوان ذات بريق، وقال في نفسه: لعله يستأنس به في وحشة هذه الطريق المظلمة، ثم دسه في جرابه وانتهى الأمر!

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير