تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[وقفات مع سورة البروج .. في زمن الهموم]

ـ[سالم عامر الشهري]ــــــــ[04 Jun 2010, 02:30 م]ـ

وقفات مع سورة البروج إنَّ في القرآن -يا عباد الله- شفاء لما في الصدورِ، تسليةً للمؤمنين، وتهديداً ووعيداً للكافرين، ومن وقفَ مع آياتِهِ وسورِهِ تبينَ لهُ كيفَ واسى اللهُ -عزَّ وجلَّ- نبيَهُ محمداً -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- فيما مرَّ بهِ من الشدةِ والبلاءِ، وكيفَ كانَ ينزلُ هذا القرآنُ العظيمُ تسليةً وتثبيتاً لقلبِهِ ولقلوبِ المؤمنين (كذلك لنثبت به فؤادك).

لما يكونُ النبيُّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- في الشدةِ والضيقِ والحصارِ الشديدِ، يأتيهِ جبريلُ –عليهِ السلامُ- بتلكَ الآياتِ من ربِّ الأرضِ والسماءِ، فتكونُ بلسماً لجروحِهِ، وماءً زلالاً يروي عطشَهُ، وبشارةً في وقتِ شدتِهِ وعسرِهِ. يأتيهِ هذا القرآنُ في مواقفٍ يشتدُ فيها ضيقُهُ وحزنُهُ، وتضيقُ فيها صدورُ أصحابِهِ وحزبِهِ، فيأتيهمُ القرآنُ شفاءً ورحمةً وبشارةً وتسليةً، فيهِ الوعدُ لهم وفيهِ الوعيدُ لأعدائهم، وفيهِ التذكيرُ بحالِ من سبقهم، ليزولَ بهِ الألمُ، ويذهبَ بهِ الهمُ والغمُ، ويتفاءلَ المؤمنونَ بنصرِ اللهِ جلَّ وعلا.

وفي هذا الزمنِ العصيبِ، والضنكِ الشديدِ معَ ما يحصلُ لإخوانِنا المسلمينَ في كثيرٍ من بقاعِ العالمِ -وبالأخصِّ على أرضِ فلسطين- ما أحوجنا أن نرجعَ إلى تلكَ الآياتِ، ونتأملَ تلكَ السورَ الباهراتِ، وما جاءَ فيها للنبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- ولأصحابِهِ من التسليةِ فنسلى بهِ، ومن البشارةِ فنستبشرُ بهِ، ومن الوعيدِ للكفارِ فنثقُ بهِ، ومن الوعدِ للمؤمنينَ فنتفاءلُ بهِ.

ودعونا نقفُ مع سورةٍ من سورهِ العظامِ، التي صورَّ اللهُ فيها حالَ الظالمينَ مع عبادِهِ المؤمنينَ، وما حصلَ لعبادِهِ من البلاءِ العظيمِ، وما وعدَهم من النصرِ، وتوعدَ أعداءَهم بالهلاكِ، في سورةِ البروجِ في الجزءِ الثلاثين.

هذهِ السورةُ مكيةٌ نزلتْ على النبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- وهو في مكةَ قبلَ هجرتِهِ إلى المدينةِ، في تلكَ الظروفِ القاسيةِ، والأحوالِ العصيبةِ، والشدةِ المؤلمةِ، نزلت في وقتٍ كان فيه أعداءُ الدينِ يكيلونَ للنبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- والمؤمنينَ العذابَ كيلاً، ويظهرونَ لهم من الشدةِ والبلاءِ ألواناً، يتلذذونَ بتعذيبِ المؤمنينَ، ويفتخرونَ بتفننهم في السخرية بالنبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلم- والمسلمينَ.

تنزلُ هذهِ السورةُ لترويَ قصةً حصلت لعبادِ اللهِ الموحدينَ، الذينَ كانوا بدينِ ربهم مستمسكينَ، وعلى هديهِ وصراطهِ سائرينَ، فيقفُ لهم أعداؤُهم بالمرصادِ، يكيلونَ لهم العذابَ، ويضرمونَ لهم النيرانَ.

فدعونا نبحرُ مع هذهِ السورةِ العظيمةِ المسليةِ لنا، والمبشرةِ بنصرٍ قادمٍ، ووعيدٍ للكفارِ مؤلمٍ، إما في الدنيا وإما في الآخرة. يقول عز وجل {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)} افتتحَ عزَّ وجلَّ هذهِ السورةَ بهذا القسمِ، وما يقولُهُ عزَّ وجلَّ حقٌ بلا قسمٍ، لكنهُ تأكيدٌ وجزمٌ بما أقسمَ عليهِ -عز وجل- أنهُ حاصلٌ لا محالةَ، وكائنٌ بلا هوادةَ.

فأقسمَ -عز وجل- بالسماءِ وما لها من البروجِ، التي تتنقلُ فيها الأفلاكُ والنجومُ.

و أقسمَ باليومِ الموعودِ الذي ينتظرُ أولئك الكافرينَ، وينتظرُهُ أولئكَ المؤمنونَ، ذلك اليومُ الذي فيهِ الجزاءُ وفيهِ الحسابُ، اليومُ الذي يلقى فيه كلُّ كافرٍ وكلُّ ظالمٍ ما قدم، ويجدُ فيهِ المؤمنونَ الصابرونَ جزاءَ صبرهم {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، فويلٌ للكافرينَ من ذلكَ اليومِ وشدتِهِ، وانتظروا أيها المؤمنونَ المكافئةَ في ذلك اليومِ وفرحتَه.

ثم أقسمَ اللهُ بكلِّ شاهدٍ ومشهودٍ في الدنيا وفي الآخرةِ، ومن ذلكَ شاهدةُ أعضاءِ بني آدمَ عليهم بما جَنَتْهُ أيديهم.

فكيفَ بكم -أيها الظالمونَ المعتدونَ الغاصبونَ-يومَ تشهدُ عليكم أيديكم التي عذبتم بها المؤمنين، وحرقتم بها عباد الله الموحدين، وحاصرتم بها عباد الله الصادقين.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير