تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[القرآن كتابي: هكذا يكون التلقي]

ـ[عاطف الفيومي]ــــــــ[14 Jul 2010, 06:50 م]ـ

[القرآن كتابي: هكذا يكون التلقي]

الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على المبعوث رحمةً للعالَمين، نبيِّنا محمَّد - صلَّى الله عليْه وآله أجمعين.

وبعد:

فهذه كلمات أبيّن بها الطَّريق نحو منهج التلقّي الَّذي يجب للقرآن، وأعْني هنا التلقّي الإيماني العمَلي، لا التلقّي الإسنادي، وذلك أنَّ كثيرًا من النَّاس غفلوا عن هذا التلقّي، وتناسَوه كثيرًا، وأُجْمِل كلماتي في محاور مُتتالية:

1 - القرآن والمكانة السَّامية:

إنَّ الوقوف على آيةٍ واحدة من كتاب الله - تعالى - من عشرات الآيات، تكفي بأن تبيّن لنا مكانةَ هذا الكتاب المنزَّل: ? إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ? [الإسراء: 9].

وبالنَّظر إلى هذه الآية الكريمة، تأمّلاً وفهْمًا، تستبين لنا جلالة هذا الكتاب، وكتُب التَّفسير وقفتْ على شيء من ذلك، فقد قال شيخ المفسّرين ابنُ جرير الطَّبري في هذه الآية: "يقول - تعالى ذكره -: إنَّ هذا القرآن الذي أنزلْناه على نبيِّنا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُرشد ويسدِّد من اهتدى به (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) يقول: للسَّبيل الَّتي هي أقوم من غيرها من السُّبل، وذلك دين الله الَّذي بعث به أنبياءَه وهو الإسلام، يقول - جلَّ ثناؤه -: فهذا القُرآن يهدي عبادَ الله المهْتدين به إلى قصْد السَّبيل الَّتي ضلَّ عنها سائر أهل المِلَل المكذِّبين به".

وقال ابنُ كثير - رحِمه الله تعالى - في هذه الآية: "يَمدح - تعالى - كِتابَه العزيز الَّذي أنزله على رسولِه محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو القُرآن، بأنَّه يَهدي لأقْوم الطُّرق، وأوضح السّبل ? وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ? به ? الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ? على مقتضاه ? أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ? أي: يوم القيامة".

وقال العلاَّمة السَّعدي - رحِمه الله تعالى -: "يُخبر - تعالى - عن شرف القرآن وجلالتِه، وأنَّه ? يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ? أي: أعدل وأعلى، من العقائد والأعْمال والأخلاق، فمَنِ اهتدى بما يدعو إليْه القرآن كان أكملَ النَّاس وأقومَهم وأهداهم في جَميع أموره، ? وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ? من الواجبات والسّنن، ? أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ? أعدَّه الله لهم في دار كرامتِه لا يعلم وصْفه إلاَّ هو".

وقال صاحب "الظّلال" - رحِمه الله تعالى -: "هكذا على وجْه الإطلاق فيمَن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهُدى أقوامًا وأجيالاً بلا حدود من زمانٍ أو مكان، ويشمَل ما يهديهم إليْه كلَّ منهج وكلَّ طريق، وكلَّ خير يهتدي إليه البشَر في كلّ زمانٍ ومكان، يَهدي للَّتي هي أقوم في عالَم الضَّمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة الَّتي لا تعقيد فيها ولا غموض، والَّتي تُطلق الروحَ من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطَّاقات البشريَّة الصَّالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطَّبيعيَّة ونواميس الفطرة البشريَّة في تناسُق واتِّساق.

ويَهدي للَّتي هي أقوم في التَّنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلّها مشدودة إلى العُروة الوثقى الَّتي لا تنفصم، متطلِّعة إلى أعلى وهي مستقرَّة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجَّه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعًا واستِمتاعًا بالحياة، ويهْدي للَّتي هي أقوم في عالَم العِبادة بالموازنة بين التَّكاليف والطَّاقة، فلا تشقّ التَّكاليف على النَّفس حتَّى تملَّ وتيْئس من الوفاء، ولا تسهل وتترخَّص حتَّى تشيع في النَّفس الرخاوة والاستِهْتار، ولا تتجاوز القصْد والاعتِدال وحدود الاحتِمال.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير