تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[أبومجاهدالعبيدي]ــــــــ[03 Sep 2009, 05:46 م]ـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

جزاى الله الإخوة عل ما تفضلوا به من التذكير بهذه الكلمات الطيبة والتي تعنى بما يجب أن يكون عليه المسلم من المراقبة والخشية والحذر من المعاصي.

ولكن الذي أود التنبيه إليه أن هذه الخطاب المفتتح بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (البقرة: 208)

إنما هو موجه إلى فئة خاصة أرادت أن تأخذ من ظاهر الإسلام ما تحفظ به مكانتها في الوسط المسلم أما الباطن فهو مخالف لحقيقة الإسلام ويدل عليه ما يظهر عليهم من سلوكيات مشينة مخالفة لما يظهرونه من زعم بطهارة قلوبهم وصفاء سريرتهم، وهم من عناهم الله تعالى بقوله في سباق الآيات:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (البقرة:204 - 206)

ويؤكد هذا المعنى تذييل الآية بقوله تعالى:

(وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)

ويؤكده أيضا التحذير من مغبة هذا الفعل وهذه الصفات لهذه النفوس المنافقة المريضة الوارد في الآية التالية:

(فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: 209)

والدليل أن الخطاب وإن كان موجه للمؤمنين إنما هو في الحقيقة تعريض بحال أولئك الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم مع وضوح آياته وظهورها قوله تعالى بعد ذلك:

(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ * سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (البقرة:210 - 211)

وبهذا يتبين أن هناك فرق بين المسلم الذي استقر الإيمان في قلبه وقد تزل به القدم ويقع في بعض الذنوب والمعاصي إما لغفلة أو شهوة طاغية أو شبهة، وبين من قد تلبس بالإسلام نطقاً وإدعاء ثم تراه سادرا في غيه لايتورع عن معصية ولا يقيم وزنا لأمر أو نهي.

ولهذا لما أثقل قول الله تعالى:

(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) (النساء: 123) على الصحابة رضوان الله عليهم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر، قال بن كثير رحمه الله تعالى:

"وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير قال: أخبرت أن أبا بكر قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به) فكل سوء عملناه جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ " قال: بلى. قال: " فهو ما تجزون به ""

وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال: لما نزلت: (من يعمل سوءا يجز به) شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها ".

وفق الله الجميع لما فيه الخير ووقانا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 208 - 210]

الظاهر أن الآيتين على عمومها، وهذا ما قرره أئمة التفسير:

جاء في تفسير الطبري: (قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في"الذين آمنوا" المصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم"الإيمان"، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض.) اهـ.

وفي التحرير والتنوير لابن عاشور: (والخطاب بـ"يأيها الذين آمنوا" خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا العنوان، ولأن شأن الموصول أن يكون بمنزلة المعرف بلام العهد.).اهـ.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير