تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

سابعا: هب أنا تركنا ذلك كله، فقصارى ما تصنعون بهذا الدليل، أن تدلوا على حدوث ما لا ينفك عن الأعراض، لكن من هذا العالم؛ ولهذا قال الطبري في صياغته للدليل: (وإذا كان الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، وكان حكم ما لم يشاهد، وما هو من جنس ما شاهدنا: في معنى جسم، أو قائم بجسم، وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث ... ) [تاريخ الطبري (1/ 28)].

فهذا صريح في أن الطبري يتحدث عما في هذا العالم فقط، وقاس ما لم يشاهد من هذا العالم، على ما شاهدنا؛ لأنه من جنسه، وهو لا يخرج عن أن يكون جسما، أو قائما بجسم.

فتبين بذلك أن صياغة الطبري هنا لا تنطبق على عالم الغيب، أو هكذا ينبغي؛ وإلا لزمك أن تقول إن الطبري يصف الله، جل جلاله، بأنه من جنس ما شاهدنا، أو أنه جسم ... ، فتأمل يا صاحبي، أو لا تتأمل إن شئت، فهو بين.

هب أن مراد الطبري هو مرادكم، وأن ما لم يخل من الحوادث، قضية كلية تريدون بها عالم الغيب أيضا؛ فعاد أمركم إلى قياس الغائب على الشاهد، وهو دليل خطابي ـ على حد تعبير ابن رشد ـ إلا حيث تكون النقلة [يعني: من عالم الشهادة إلى عالم الغيب] معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب، وهيهات، هيهات!!

[انظر: مناهج الأدلة (141)].

ولذلك يقول سيف الدين الآمدي:

(وليس يلزم من جواز تبدل [يعني: تعاقب] الاجتماع والافتراق على بعض الجواهر السفلية، مثله في الجواهر العلوية، ولا كذلك بالعكس، لما اشتركا فيه من الجوهرية والجسمية، فإنه لا مانع من أن يكون ذلك لها باعتبار خصوصياتها، ولما وقع به الافتراق بين ذواتها.

وإن أمكن بيان ذلك، فهو مما يطول، ويصعب تحقيقه جدا على أرباب العقول).

[غاية المرام (249)].

وهذا الإبطال على سبيل التنزل وقبول أنكم تحكمون في الأمور العلوية المتعلقة بالله جل جلاله: بـ (الجوهرية) و (الجمسية)، وسوف تكفون عن نبز غيركم بذلك!!

ثامنا: سلمنا لك يا صاحبي أنكم تقدرون على نقل حكم ذلك الشاهد إلى الغائب، وبإمكانكم تحقيق ذلك المقام العسر؛ فما أغبن صفقتكم، وأعظم خسارتكم، وما أعظم نقضكم لمقالاتكم أنكاثا، بعدما ضيعتم الزمان في إحكامها، زعمتم، كفعل الحمقاء التي ضرب ربنا لها مثلا!!

وخذ مثالا على ذلك يا صاحبي:

لقد ادعيت على الإمام الطبري أنه (يعتقد أن الله تعالى لا مماس للعالم ولا مباين له؟ اي ليس داخل العالم ولا خارجه؛ لأنه ليس كمثله شيء فلا يقبل ما تقبله الأشياء التي ليست مثله بحال من الأحوال؟؟)،

وهنا نقول لك:

وكذلك هنا: الله ليس كمثله شيء، فلا يقبل ما تقبله الأشياء التي ليست مثله، من أنه إذا حلت به الحوادث، ولم ينفك عنها: كان حادثا؛ بل تحله الحوادث، ولا ينفك عنها، ولا يكون حادثا.

وقس على ذلك: قولكم في الرؤية، من غير إثبات جهة، وإثبات الكلام من غير حرف ولا صوت ...

فإما أن تطرد الإلحاق في جميع مواطنك، وتهدم عشرات من أصولك، وإما أن تنفي ذلك الإلحاق؛ وإني أعيذك بالله أن تكون من الذين يحلونه عاما، ويحرمونه عاما!!

وتأمل هذه المناظرة من صاحبكم: فخر الدين الرازي:

(مذهب أهل ما وراء النهر [يعني: الماتريدية] أن الله تعالى متكلم بكلام قديم قائم بذاته، منزه عن الحرف والصوت، كما هو مذهب الأشعري؛ إلا أن الفرق أن الأشعري يقول: ذلك الكلام يصح أن يكون مسموعا. وأما أبو منصور الماتريدي وأتباعه من أهل ما وراء النهر، فإنهم يقولون: إنه يمتنع أن يكون ذلك الكلام مسموعا، فتكلموا معي في المسألة.

فقلت لهم: إن المعتزلة استدلوا على امتناع الرؤية، فقالوا: ثبت بالدليل أن الله تعالى ليس بجسم، وليس مختصا بالجهة والحيز، وليس له شكل، ولا لون؛ وكل موجود كذلك يمتنع رؤيته؟

فقلتم في الجواب عنه: لم قلتم إن الموجود الموصوف بهذه الصفات امتنع رؤيته، وبأي دليل عرفتم هذا الامتناع؟

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير