تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

"وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم؛ لهذه الآية، وما كان في معناها، فمنع ذلك الزهري، وأصحاب الرأي [الأحناف]، وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة، كالصلاة، والصيام، وقد قال تعالى: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً). وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء؛ لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس حديث الرقية: (إِنَّ أحقَّ مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ الله) أخرجه البخاري، وهو نص يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوَّل عليه.

وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة، والصيام: ففاسد؛ لأنه في مقابلة النص، ثم إن بينهما فرقاناً، وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلِّم، فتجوز الأجرة على محاولته النقل، كتعليم كتابة القرآن.

وأما الجواب عن الآية: فالمراد بها: بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟، فيه خلاف، وهو لا يقول به [يعني: أبا حنيفة رحمه الله].

جواب ثان: وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجراً، فأما إذا لم يتعين: فيجوز له أخذ الأجرة، بدليل السنَّة في ذلك، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عياله، فلا يجب عليه التعليم، وله أن يُقبل على صنعته، وحرفته، ويجب على الإمام أن يعيِّن لإقامة الدين إعانته، وإلا فعلى المسلمين؛ لأن الصدِّيق رضي الله عنه لمَّا ولي الخلافة وعُيِّن لها: لم يكن عنده ما يقيم به أهله، فأخذ ثياباً وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي؟ فردوه، وفرضوا له كفايته.

وأما الأحاديث [يعني التي تمنع ذلك]: فليس شيء منها يقوم على ساق، ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل، - وشرع في نقدها -.

وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل" انتهى باختصار.

" تفسير القرطبي " (1/ 335، 336).

2. وأما قوله تعالى: (اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) يس/ 21 ومثيلاتها من الآيات: فقد استدل بها بعض العلماء على المنع من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم الشرعي، وأن هذا هو صفة المرسلين، وأتباعهم، والمنازعة في هذا الاستدلال حاصلة لا تُنكر، وذلك بحمل الآية على من تعيَّن عليه تبليغ الدعوة، وتعليم العلم، دون من لم يتعين عليه ذلك، كما يمكن حمل الآية وأخواتها على كراهة أخذ الأجرة على ذلك التعليم لمن كان غير محتاج، وهو ما ذهب إليه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، فإنه ساق عدداً من الآيات التي تحمل معنى هذه الآية، ثم قال:

"ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء، وغيرهم: أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجاناً، من غير أخذ عوَض على ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد، والحلال والحرام" انتهى.

" أضواء البيان " (2/ 179).

ثم قال:

"الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم -: أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية: فالأولى له ألا يأخذ عوضاً على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام؛ للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة: أخذ بقدر الضرورة، من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم، لا من قبيل الأجرة.

والأولى لمن أغناه الله: أن يتعفف عن أخذ شيءٍ في مقابل التعليم للقرآن، والعقائد، والحلال والحرام" انتهى.

" أضواء البيان " (2/ 182).

وهذا الذي اختاره الشيخ الشنقيطي رحمه الله، قد اختاره من قبله شيخ الإسلام ابن تيمية.

فقد سئل رحمه الله عن رجل امتنع من تعليم العلم الشرعي إلا بأجرة، فهل يجوز له ذلك؟

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير