تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

(يا أيها الناس): نداء للبشرية كلها مؤمنها و كافرها * برها و فاجرها. فالناس هم كل من كان من نسل ادم عليه السلام من أي جنس كان. يناديهم الله تعالى في أول نداء عند تقليبك لأوراق المصحف في سورة البقرة * نداء للعبودية و التي خلق الله تعالى الكون هذا و خلق الجن و الإنس لأجلها قال تعالى (و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) فلما كان الهدف من خلق الجن و الإنس هو العبودية ناسب أن يكون أول نداء في ورقات المصحف هو بالأمر بالعبودية.

و انظر إلى عموم النداء (يا أيها الناس) فلم يقل (يا أيها الذين امنوا) و لست هنا مرجحا ترجيحا مطلقا قول من قال بأن الخطاب ب (يا أيها الناس) هو خطاب مكي بحت , و أما الخطاب ب (يا أيها الذين امنوا) خطاب مدني بحت , قد يقال أن هذا هو الغالب , لكن ليست قاعدة مطردة, و أولها هذه السورة المدنية و غيرها كثير ..

لكن العبرة بالنداء العام لجميع الناس مؤمنهم و كافرهم , و ذلك بأن المؤمن يحرضه هذا النداء على زيادة العبودية و التقوى و عدم تزكية النفس , و التعود على تلقي الأوامر الربانية بالسمع و الطاعة , و عدم الترفع عليها , و أما الكافر فهو نداء له بأن يترك عبادة غير الله و يعبد الله وحده الذي لا شريك له.

فانظر إلى التناسق بين الحكمة من خلق الخلق (و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) و الأمر الأول في المصحف (اعبدوا).

ثم لندلف إلى كلمة (اعبدوا) و هي فعل أمر مجردة عن القرينة فتدل على الوجوب عند الأصوليين و ذكروا _ استطرادا _ بعض الصيغ الأخرى الدالة على الأمر فمنها الفعل المضارع المقارن للام الأمر كقوله تعالى (و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا) و منها الفعل المضارع الدال على الأمر كقوله تعالى (و المطلقات يتربصن بأنفسهن) و منها المصدر الثلاثة كقوله تعالى (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) و منها كلمة عليكم * كقوله تعالى (يا أيها الذين امنوا عليكم أنفسكم).

و صيغة الأمر إذا كان من عال إلى من هو دونه كان هذا للأمر المطلق كقول الله تعالى (اعبدوا) و إذا كان من شخص إلى من هو مثله كان هذا التماس أو طلب كقول فلان لفلان (اذهب * ارجع) و إذا كان من هو دون لمن هو أعلى منه كقول الداعي (ربنا اغفر لنا) كان هذا دعاءا.

فالعبودية هي أعظم ما يفتخر به الشخص. و تجد في كل إنسان ميل للعبودية حتى لو كانت ضلالا كعبادة غير الله تعالى , و لكن المسلم الحق صرفها لله تعالى.

و قد وصف الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم بهذا الوصف دليل على عظم هذه المنزلة فقال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده).

و العبودية نقسمها لقسمين: الأول الذي يتكلم عنه علماء العقائد, و الثاني الذي يتكلم عنه علماء الفقه.

فأما الذي يتكلم عنه علماء العقائد و هو المقصود هنا فينقسم إلى قسمين:

الأول عبودية عامة: و هي العبودية القدرية و التي يقع تحت ظلالها جميع الناس مؤمنهم و كافرهم , و هي تستلزم أن جميع الناس داخلون في ملك الله تعالى و هو المتصرف فيهم و لا يخرجون عن سلطانه طرفة عين. و هي التي قال الله فيها (إن كل من في السماوات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا)

و الثاني: عبودية خاصة: و تنقسم إلى قسمين:

الأول: عبودية خير المرسلين محمد بن عبدالله و فيها قال الله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)

و الثاني: عبودية باقي المؤمنين و فيها قال الله تعالى (و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)

و أما العبودية و التي يتكلم عنها علماء الفقه فهي عجز حكمي سببه الكفر , و هو ضد الحرية و ينقسم العبيد إلى أقسام: , فمنهم القن و هو العبد الكامل, و منهم المبعض الذي نصفه عبد و نصفه حر, و منهم المكاتب الذي كاتب سيده على مال يدفعه إليه مقسطا حتى يعتقه, و منهم المعلق الذي علق عتقه على عمل ما ,و منهم أم الولد التي وطئها سيدها و أتت بولد فمتى مات أصبحت حرة ,و منهم المدبر الذي علق عتقه على موت سيده.

فنداء الله تعالى هنا للناس كلهم بأعظم أمر بعث الله الرسل لأجله فقال في سورة النحل (و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت)

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير