تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[المزاح والضحك في منهاج التربية النبوية]

ـ[أسامة عبد العظيم]ــــــــ[24 - 07 - 10, 12:32 م]ـ

قال النبي «لاَ تُكْثِرُوا الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (1)

فهل هذا يُعني ألا حظ للمزاح والضحك في منهج التربية الإسلامية؟

أما المزاح فهو المداعبة والملاطفة والمؤانسة وتطييب الخواطر وإدخال السرور على البشر.

وأما الضحك فهو أمر جبلي طبعي، أي متعلق بالجبلة التي خلق الله الناس عليها [وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى] (2)

ولكل منهما حظ وفير في منهج التربية الإسلامية، فالمسلم غير مطالب بأن يكون عبوسا خشنا مكفهر الوجه يسأم منه جليسه، ويسيطر الملل على حديثه، وتغلب الكآبة طلعته ومنطقه وتصوره

[فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا] (3)

بل إن الضحك من نعيم أهل الجنة [فَاليَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ] (4)

ومن وصايا الرسول «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» (5)

وقال «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» (6)

لقد بُني الإسلام على الوسطية والاعتدال في كل أمره، في العبادات والعقائد والأخلاق والسلوك، ومكارم الأخلاق كل صفة وسط بين طرفين مذمومين، والمؤمن يجسد هذه الوسطية في حياته أقوالا وأفعالا، فلا هو تقتير ولا هو تبذير، لا هو في بؤس وكآبة وسوء منظر ووجه عابس ونفس قانطة وملل وتشاؤم، ولا هو مزاح بالصدق والكذب وضحك متواصل ونفس لاهية وقلب غافل وقهقهة مستمرة.

قال الإمام النووي رحمه الله "المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله يفعله على الندرة لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سُنّة مستحبة فاعلم هذا، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه " (7)

وقال ابن تيمية رحمه الله " فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق فهذا من الأعمال الصالحة "

ولنرى كيف ربى النبي أصحابه على هذا التوسط والاعتدال، وكيف رباهم على بشاشة الوجه وحسن المنطق والحرص على الابتسامة في وجه المسلم، لما لها من سحر رباني في تأليف القلوب، وقبول النفس، ونشر المودة وتعميق أواصر الأخوة، والاتصال القلبي بين المسلمين.

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي.

قَالَ النَّبِي «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»

قَالَ وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاَّ النُّوقُ»

(8) وقال أَنَسٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ» يمازحه (9)

وعن أنس أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام قال: وكان النبي يحبه وكان دميما، فأتاه النبي يوما وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصر فقال: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي حين عرفه، وجعل النبي يقول «من يشتري العبد؟»

فقال: يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدا، فقال النبي «لكن عند الله لست بكاسد» أو قال «لكن عند الله أنت غال» (10)

ومما يُروى أن امرأة عجوز جاءت إلى النبي فقالت: يا رسول الله أدع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال لها يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فانزعجت المرأة وبكت ظنا منها أنها لن تدخل الجنة، فلما رأى ذلك منها بين لها غرضه أن العجوز لن تدخل الجنة عجوزا، بل ينشئها الله تعالى خلقا آخر فتدخلها شابا بكرا، وتلا قول الله تعالى [إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا] (11)

وعن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله إنك تداعبنا، فقال «إني لا أقول إلا حقا» (12)

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير