تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إن هذه المعاني كلها قد تكون مرادة , لكن الشاهد هو هذه الحركة باليد أو بالأصبع , مرة إلى السماء , وأخرى إلى الناس , وأن الغرض منها تأكيد الشهادة , أو الإلحاح على الله تعالى بالشهادة عليهم.

ومن هذا الباب أيضاً ما روته السيدة عائشة رضى الله عنها , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه , أو كانت به قرحة أو جرح , قال: بإصبعه هكذا .. ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها ,: " باسم الله تربة أرضنا , بريقة بعضنا , يشفي به سقيمنا , بإذن ربنا" (94)

وهذه الحركة عكس حركة الحديث السابق , فهنا وضع أصبعه على الأرض ثم رفعه إلى السماء , وهناك أشار أولاً إلى السماء ثم أشار إلى الناس.

وكلا الحديثين فيه دعاء:

الأول: دعاء بأن يشهد الله تعالى عليهم لاعترافهم أنه بلغ الرسالة.

والآخر: دعاء بأن يشفي الله تعالى المريض.

وهنا أتساءل: هل هناك علاقة بين الإشارات إلى السماء والأرض وبين الدعاء؟ ربما ...

يقول القرطبي: [وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك , أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة ....

وقيل: كأنه تضرع بلسان الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب , ثم أبدعته منه من ماء مهين , فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته] (95)

وقد يفهم من هذه الإشارة المتقابلة معنى التوسل , أعني: توسل العبد الذي خلق من تراب الأرض إلى الله تعالى بقبول دعائه.

لكن اللافت للنظر هو أنه أسند فعل القول إلى اليد.

واسمعه وهو يقول: " فقال بيده "

فالدعاء هنا ليس من اللسان وإنما من اليدين , فالأيدي تدعو , وتتوسل , وتطلب , كما أن اللسان يدعو , ويتوسل , ويطلب.

وأنا هنا لا أجزم بهذه الدلالات , وإنما أحاول فهم الإشارة , وعلاقتها باللفظ.

الخاتمة

وبعد:

فلقد تناولت في هذا البحث أثر الإشارة في البلاغة العربية , ودورها في حمل المراد إلى الناس , وذلك من خلال دراسة نظرية ثم تطبيق على بعض الأحاديث الصحيحة.

وفي الشق النظري تعرضت لما أثبته علماؤنا من دور الإشارة , وعلى رأسهم الجاحظ , الذي جعلها رديفة للفظ ونائبة عنه.

ثم من جاء من بعده كقدامة بن جعفر , وابن أبي الأصبع , وابن حجة الحموي , وقد ظهر من خلال كلامهم عنايتهم بالإشارة ودلالتها , لكنهم خالفوا عند التطبيق , فنحوا بالإشارة عند التطبيق إلى ما يفهم من اللفظ.

وقد ثبت بعد هذا عن مقصود كلام الجاحظ , وعن مقصود هذا البحث , فالبحث يحاول الكشف عن دلالة الحركة المصاحبة للفظ , وأثرها في بناء المعنى.

وقد بينت أن القرآن الكريم أثبت هذه الإشارات ودلالاتها.

أما الشق التطبيقي فلقد بينت فيه إمكانية إدراج الإشارة في جميع أبواب البلاغة , وعلومها , وألقيت الضوء من خلال بعض الأحاديث على دلالة الحذف , والتوكيد , والتعريف , من خلال الإشارة.

وكذلك دلالة الإشارة على التشبيه.

ودلالة الإشارة على الطباق.

وما أردت هنا الاستقصاء , وإنما أردت فتح الباب لدراسة تراثنا العربي , وهو زاخر , شعراً ونثراً من خلال الإشارات المصاحبة له؛ لأن ذلك سيعيد إلينا دلالات ومعاني وقعت منا في الطريق؛ لقلة اهتمامنا بهذه الدلالة.

كما تبين من البحث أن الإشارة لا تقوى على حمل المعنى وحدها غالباً فالأصل أن تكون في صحبة اللفظ , ورديفة له.

أما إذا عجز اللسان فهي النائبة عنه.

كما تبين أن للإشارة سياقات تكثر فيها , ومنها الأساليب الخبرية.

كما ظهر من خلال البحث إمكانية الدلالة بالإشارة على علوم البلاغة المتنوعة , المعاني والبيان والبديع , وأنها لا تقتصر على لون دون لون.

وإني بعد ذلك أوصي كل من سار على الدرب أن يلتفت إلى هذه الدلالة في تراثنا العربي , ويستخرج ما وراءها من أغراض؛ فإن في ذلك فتحاً جديداً للبلاغة العربية.

هذا , وصلى الله على سيدنا محمد , وعلى آله وصحبه وسلم.

الهوامش

1 - البيان والتبيين للجاحظ 1/ 7 طبعة دار الكتب العلمية بيروت.

2 - كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي. تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السمرائي ط1 ج5 منشورات مؤسسة

ا الأعلمي للمطبوعات - بيروت - 1408 هـ ص 280 باب الشين والراء والواو.

وانظر لسان العرب لابن منظور طبعة دار المعارف مصر والقاموس المحيط للفيروزبادي

2/ 434 شور دار الفكر بيروت 1398 هـ.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير