تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[مركزية الإيمان]

ـ[علي جاسم]ــــــــ[30 May 2005, 05:18 م]ـ

[مركزية الإيمان]

من مألوفات حياتنا اليومية أن نرى طفلا ينفجر باكيا أو يبكي منفجرا حين يؤخذ من بين يدي أمه ولن تهدأ هذه الثورة منه حتى يعاد إليها , وهذه الحالة ليست مع الإنسان وحسب بل حتى مع الحيوان , فنرى فيما نرى صغير الماعز أو الضأن حين ينفصل عن قطيعه وعن أمه بالتحديد إذا به يصدر أصواتا ونداءات أشبه ما تكون بالاستغاثة والاستنجاد لا تختلف عن بكاء الطفل إلا من حيث الكيفية أما من حيث الباعث- على الأرجح- فهو واحد, وهذا الآخر لن ينقطع عن إصدار هذه الأصوات حتى يلحق بقطيعه ويرجع لأمه.

والمسألة ليست عرضية - كما يظن – لأنها من الكثرة التي يضيق بها حيز الصدفة والعرض , وتكرار مشاهدتها في حياتنا اليومية وكثرتها بنفس الوقت مدعاة للتأمل والبحث عن أصل هذه العلّة.

ولنا في هذه الحالة رأي قصارى ما نقول فيه أن مخالفونا لن يأتوا بحجة أقرب زلفى لمكسر هذه الظاهرة من حجتنا , على أنا لا ندعي أن حجتنا فيها هي الصواب ولكنها كلمة تقال ورأي نزجيه فإن أصبنا بالقول الحقيقة فمن توفيق الله وفتحه, وإن أخطأنا فحسبنا أنا أبدينا رأيا رأيناه, وفي معرفة الخطأ بعد ذلك ما نجد به عزاء لأنفسنا ومنفعة في آن واحد وحسبنا به عزاء لو تعزينا وحسبنا منه منفعة حين نرومها و نبتغيها.

أولا الضعف في الإنسان فطرة , وعليه فالشعور بالضعف من فطرة الإنسان أيضا , وبهذا فالمركزية بالنسبة للإنسان ضرورة تقضي بها فطرته عن حس صادق وسليقة سليمة قبل أن يرتأيها عقله عن بحث وتأمل , وأعني بالمركزية هنا ضرورة ركون الإنسان لما يعزز به ضعفه الفطري وإلا فهو أضعف من ذبابة لقوله تعالى {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} فقدم سبحانه ضعف الإنسان على ضعف الذبابة , ومن كان بهذه الدرجة من الضعف هو – لعمر الله – أحوج ما يكون لركن شديد, بل أفقر إليه من تلك الذبابة.

وهذا الركن الذي سيأوي إليه الإنسان لا بد أن يكون أقوى من الإنسان وإلا فلا يصح أن نجوّز الركون لما هو أضعف , وهذا الركن الشديد هو ما أراده الله تعالى بقوله {وإذ أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسكم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا لغافلين} وأعني به هنا الإيمان وأريد بذلك صلة الإنسان بالله ..

و ما بين الطفل والبالغ هو أن الطفل محكوم بتصرفاته وأفعاله لفطرته وسليقته دون ضوابط غير ضوابط الفطرة فإن جاع بكى وإن شبع لعب وإن غشّاه النعاس نام وإن انفصل عن أمه – مركزيته – أحس بضعفه – فطرة- فاضطرب عندئذ فاستحال اضطرابه بكاء , ولو أودع الله في الإنسان آلة يعبر بها عن شعوره بالضعف لما أخفتها فطرته , بينما البالغ فمحكوم لضوابط الحياة واعتبارات بلوغه , فإن انفصل عن مركزيته وأعني بها الإيمان اضطربت حركة حياته , لأن ضعفه سينكشف حينها بل سيكون الشعور بالضعف مضاعفا, فيستحيل هذا الاضطراب إلى تخبط في حياته قد يستحيل بعد ذلك لعلّة نفسية- مرض نفسي – أو حالة من عدم التوازن وعدم اعتدال نسق الحياة , وقد يفضي به هذا الاضطراب آخر الأمر إلى الركون لغير الله علّه يعزز ضعفه , فإذا به يركن للمال باعتبار أن المال قوة وفيها ما يعزز به ضعفه وفي هذا النوع من الركون يضرب الله أمثلة قرآنية فيقول {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم} ثم بعد ذلك قال {قال إنما أوتيته على علم عندي} ,لكنها قوة لا تكاد تنهض بصاحبها حتى تهوي به لواد سحيق إذ كلما كثر المال كثر الانشغال به والاستغراق في المحافظة عليه وهذا ضرب من الشقاء الذي لا يبتلى به أفقر الفقراء بفقره بقدر ما يبتلى به أغنى الأغنياء بماله.

ولون آخر من ألوان الركون لغير الله , وأعني هنا لون من ألوان التخبط والاضطراب التي تعتري من ينفصل عن مركزية الإيمان , هذا اللون الآخر هو الركون إلى قوة الجاه والسلطان وفيها يقول تعالى في النمرود {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت} وفي فرعون {يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ويقول تعالى في ملكة سبأ وقادة جيشها {نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد} وهذه كتلك لا تؤمن عليها دول الأيام وصروف الدهر وإذا بالأمير أسير , وإذا بعزيز قومه ذليل حقير.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير