تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

، وعليها يحمل قول ثالث ذكره صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله، يقدر فيه مفعول مطلق من جنس الفعل، فيكون مصدرا مبينا لنوع عامله فتقدير الكلام: والذين لا يشهدون شهادة الزور، ومنه ما هو كفر كألفاظ الشرك والردة، فذلك منكر من القول وزور، ومنه ألفاظ الظهار كما تقدم في قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)، ومنه تكذيب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا)، فقصروا قولهم على جهة الادعاء مبالغة، فقد قالوا عنه غير ذلك، فوسموه بالكذب والسحر والكهانة .... إلخ، فذلك من الظلم والزور الذي نكر تعظيما، فأي زور أعظم من وصف آي التنزيل بالإفك المبين، وهي التي جاءت بضده من البيان الصادق لسبيل المؤمنين: علوما وأعمالا، فبالتنزيل استقامت الفطرة على سنن التوحيد: مادة صلاح الكون، فـ: (اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا)، فجاء الأمر على جهة الوجوب والإرشاد إلى ملازمة سنن الاستقامة العلمية والعملية، فهي أمان من الزيادة بالغلو والطغيان في القول أو الفعل، فاكتملت القوى العلمية والإرادية الباطنة، والقوى العملية الظاهرة، فاستقم كما أمرت في التنزيل، فهو معدن الأمر والنهي الشرعي، الذي يوافق القياس العقلي والخَلق والخُلق الطبعي، فالنبوات، كما تقدم، لم تأت إلا بتقويم الفطرة الظاهرة والباطنة، فالفطرة الباطنة قد استقامت برسم: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، والفطرة الظاهرة قد استقامت على سنن الفطرة من ختان واستحداد، فالرسالة الخاتمة: رسالة عامة لأحكام المعاني القلبية الباطنة والمباني الجسدية الظاهرة، فجمعت من شريعة يهود ما يتعلق بأحكام الأبدان وزادت عليه، وجمعت من شريعة النصارى ما يتعلق بأحكام الروح وزادت عليه، فحصل لها من الكمال والاتزان والوسطية الحقيقية ما لم تأت به رسالة أخرى، وذلك أليق بعالميتها، فأحكامها العامة تلائم كل عصر ومصر، وتلقى قبولا تلقائيا لا تكلف فيه عند كل نفس، فما جاءت إلا بالفطرة الأولى، ولا تتجشم النفوس عناء في مباشرة ما جبلت عليه من التصورات العلمية والأحكام العملية برسم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، فالرسالات السابقة كانت محلية تعالج أمراضا في أمم بعينها، فجاءت التوراة برسم الجلال شفاء لذلة يهود، فـ: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)، فذيل بسبب الذلة تقريرا للمعنى وتحذيرا منه فالكفر بالآيات الشرعية والإعراض عن تدبر الآيات الكونية وقتل النبيين بغير حق فذلك قيد كاشف فليس من قتلهم ما هو حق بداهة ويلتحق بهم أتباعهم من المؤمنين لا سيما المستضعفين، ويلتحق بالقتل: التسلط بأي نوع من أنواع الأذى كالتعذيب والتشريد والخذلان بالإسلام إلى الكفار ليفتنوا المؤمن في دينه فإسلامه إليهم ولو لغير ذلك: فساد عظيم فكيف بإسلامه لرده عن دينه فتلك أعظم فتنة، وكل ذلك مما فشا في زماننا ولعله أبرز أسباب ضرب الذلة على أعناقنا فالمعنى لا يختص ببني إسرائيل بل يعم كل من سار على طريقتهم، فالعبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب كما قرر أهل العلم، وكبرها عن قبول الحق، فهما عرضان متلازمان، فمن استكبر عن قبول الحق الإلهي أذله الرب، جل وعلا، بأيدي البشر، والواقع خير شاهد على ذلك، فأمة الرسالة الخاتمة لم يغن عنها الانتساب إلى الوحي المحفوظ شيئا لما عدلت عنه، فما ازدادت بالكبر عن تصديق خبر الوحي وامتثال أمره، ما ازدادت به إلا ذلة على أيدي أذل الخلق من يهود، وغيرهم من كفار أهل الكتاب الذين

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير