تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فالضنك والعذاب والشر الذي كان يعيشه أهل الجاهلية ويتقلبون وسط مرجله لم يكن مرده لخاصية تعلقت بتلك الفترة فلا يتعداها لغيرها ولا يغشى سواها، كما أنه من السخف والاستخفاف أن يجعل عوده لمجرد بدائية أسباب المعايش المادية التي كانت تقوم عليها حياتهم من قبيل إن وسائل تنقلاتهم ونقلهم هي الجمال والبغال والحمير، ومساكنهم الخيام والصوف والكهوف، وأسلحتهم السيوف والرماح والنبل وغير ذلك، فكل هذه وأمثالها إنما تستعمل وتسخر لتسيير الحياة وتيسير أسبابها وتتخذ سبيلاً للوصول إلى المقاصد الكبرى من الحياة، وما بها تُقوَّم القيم، وتصقل المجتمعات، وتبنى الأخلاق والآداب، فصبغة الحقب والأزمان بصبغة الجاهلية أو ما يضادها لا تعتمد على مثل هذه الأسباب العارضة والمتجددة والمتعددة والمتنوعة.

فأنت ترى أن الحقبة الواحدة تتفاوت المجتمعات فيها تفاوتاً كبيراً في هذه الأمور المادية المحضة وتتفاضل أسباب الراحة والرفاهية والتسهيل وتحصيل المتع تفاضلاً كثيراً، ومع ذلك فكل تلك المجتمعات تستحق اسماً ينطبق عليها جميعها هو (الجاهلية) مما يعني أن المرد في وضع أو رفع هذا الاسم ليس مجرد ما حصلته من أسباب الحياة المادية وإنما هو أمرٌ وراء ذلك، وفوق ما هنالك، فقطعاً لم يكن الروم والفرس في هذه الأمور سواء، وبينهم وبين قبائل العرب في ذلك بون شاسع، وهكذا سائر مَن كان في ذلك الزمن، ومع ذلك كله فمجتمعاتهم ودولهم كانت تعيش جاهلية جهلاء، وهمجية خرقاء، وعصبية هوجاء، قوامها الظلم، والطغيان، والتوحش، وقهر الضعفاء، والفساد في الأرض، والانسلاخ من كثير من القيم، وبالجملة لا تكاد تخرج عن نمط حياة الأنعام التي يستحقها كل من بعد عن الدين ونأى بنفسه عن هداه، واتخذ إلهه هواه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف/179]، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان/44].

هذا ولا تخرج الجاهلية المعاصرة عن هذا القانون، وليس ثمة ما يستثنيها ويشذ بها عنه، بل لن يكون المرء مبالغاً إن قال إن عصرنا (المحتضر) قد غرق في أعماق بحر الجاهلية المظلم غرقاً لم يسبق إليه سابق، وتفننت في تقنين الانسلاخ من القيم، والتجرد من الرحمة، وركوب أنواع المهلكات، والتوسع في صور الفساد والإفساد، فكل ما ذكره جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الشرور والطوام قد بلغ في هذا العصر ذروته ونال منه النصيب الأوفر وزادوا عليه من مبتكرات الجرائم والعظائم وطرق الإفساد في الأرض ما لم يتخيله الجاهليون الأولون، وأُدخِلت المجتمعات والشعوب في مطحنة الضنك والعذاب والاضطراب فانتكست الفطر وشردت عن أصلها شرودا بعيداً، وضاقت الصدور ضيقاً قاتلاً، وسيطرت أنماط الحياة البهيمية سيطرة مطبقة، وهيمنت الشهوات والأهواء هيمنة تامة، وغابت عنها معاني الرحمة والرأفة والرفق فراحت تتلمسها وتتحسسها هنا وهناك، فلا تجد إلا ناراً تلظى، وجحيما مستعراً، وضيقاً خانقاً قاتلاً، إذ غلبت على الطبائعِ الهمجيةُ والوحشية والسبعية، وتمكنت دوافع الطمع والجشع والأنانية و (المصالح) وصارت هي قواعد وأسس المعاملات والسياسات والحرب والسلم.

ومع ذلك فنرى بعض المبهورين المتهورين يغض الطرف عن كل هذه الآصار والأغلال التي تلفظ معها البشرية أنفاسها ويلتفت إلى تقنيات متقدمة، ووسائل عصرية، ليجعلها معياراً للحكم على هذه المجتمعات المخدَّرة، ويتخذ تقنياته الفاتنة وسيلة يدفع بها في نحر مَن أراد رحمة العالمين وإنقاذهم من الجحيم العصري الملتهب، ويحاول جهده من خلال افتتانه بهذه الوسائل صدَّ كل من يراه يبحث بحثاً صادقاً عن منجاة له ومخرجٍ يجد فيه سكنه وراحته ورحمته ليرده ويرديه في هوة انتكاس الفطرة التي لا مستقرّ لها ولا سكون إلا في موطنٍ واحدٍ وهو الدين القيم الذي جاء به مَن بعث رحمة للعالمين: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم/30]، ومن هنا ندرك عظم الجريمة التي يقترفها الصادون عن سبيل الله الذين انطمست عندهم البصائر فلم يعودوا يفرقون بين حاجة فطرهم وحاجة أجسادهم، فراحوا يبحثون عن راحة أرواحهم واستقرار فطرهم وسكينة قلوبهم في المباني الراقية، والمراكب الفارهة، والتقنيات المتقدمة، فكانوا كحال من يسفك دم قتيله على طبق من ذهب، ولهذا استحق هؤلاء الصادون عن سبيل الله مضاعفة العذاب تبعاً لعظم جريمتهم وقبيح فسادهم: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل/88]، قال الإمام ابن كثير –رحمه الله-: [أي: عذابا على كفرهم، وعذابًا على صدهم الناس عن اتباع الحق] (تفسير ابن كثير:4/ 593)

الشيخ: حسن قائد

- حفظه الله -

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير