تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وإذا تدرجنا إلى السور التالية فإنا لا نعدم أمثلة على التوازن، وباطلاع بسيط على سورة النازعات تتوضح الصورة، إذ إنَّ سبحانه وتعالى قد بين خلقه لأمرين عظيمين شكلا جانب التوازن في هذا الحياة الدنيا أيضاً فشملهما الخطاب معاً في توازن في الخطاب أيضاً وهما؛ السماء والأرض، فقال تعالى:} أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا {، ولا يتوقف الأمر عند هذا في هذه السورة بل إننا نجد قبل نهايتها إشارة أخرى إلى هذا التوازن في مقام إقامة الحجة على العباد وبيان مآل كل فريق من الفرقين؛ الطائعين والعصاة، قال الله تعالى:} فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى {وفي المقابل قال:} فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى {.

وهذا التوازن في الخطاب كما قلت يتجلى لنا في أكثر من سورة، ولا أريد أن أُكثر الصفحات بالأمثلة ولكن لينظر إلى الكلمات التالية في سورة عبس، إذ إن في الإشارة ما يغني عن العبارة، (يزكى مع ألا يزكى، و فأنت له تصدى مع فأنت عنه تلهى، وأماته فأقبره مع أنشره، وأمه وأبيه، ووجوه يومئذٍ مسفرة مع وجوه يومئذٍ عليها غبرة) وهكذا القول أيضاً في سورة التكوير في أكثر من آية أجلاها وأوضحها في قوله تعالى:} وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ {وكذلك في قوله تعالى:} وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ {فانظر التوازن في الخطاب بين الآيتين الأولين، الجنة أزلفت، والجحيم سعرت، وفي قوله تعالى: والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس. وكذلك الحال في سورة الانفطار ابتداءً من قوله تعالى: (علمت نفس ما قدمت وأخرت)، في إشارة إلى التقديم والتأخير،وهما متضادان، وانتهاءً بقوله تعالى:} إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ {.

ويتجلى التوازن في أوضح صوره في سورة المطففين، حيث إننا لا نلمس توازناً في الخطاب وحسب، بل نجد توازناً حتى في عدد الحروف ونوعية العبارات وذلك في قوله تعالى:} كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ {وفي المقابل يقول الله تعالى:} كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ {، فلاحظوا الكلمات والعبارات، بل وعدد الأحرف أيضاً، والتعبيرات القرآنية في مثال من أوضح الأمثلة على التوازن في الخطاب القرآني في هذا الجزء المبارك من القرآن العظيم، ولا يقف الأمر عند ذلك في هذه السورة بل جاء فيها بيان ما تؤول إليه الأمور وانقلاب الأوضاع لإحداث توازن لم يتحقق في الدنيا ويتحقق في الآخرة وذلك في قوله:} إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ {وفي المقابل:} فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ {، في إشارة إلى أنَّ التوازن في الخطاب يحمل في طياته توازناً آخر وهو الذى تسيقيم به الحياة، ألا وهو عدل الله تعالى وتحقق هذا العدل إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، فهو توازن من جهتين.

وكما يلاحظ القارئ الكريم أنَّ شواهد التوازن في الخطاب كثيرة وكثيرة جداً، ولو أردنا أن نلتمسها في كل سورة من سور القرآن الكريم لوجدناها، ولكني أختم بسورة هي مثال حي على التوازن، ولا نكاد نعدم هذا التوازن في أيٍّ من آياتها، وهي سورة الليل.

قال تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) {

فالقارئ لهذه السورة يلاحظ التوازن في الخطاب في كل آياتها تقريباً ابتداءً من قوله والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، ثم قوله وما خلق الذكر والأنثى، ثم بقوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وفي المقابل وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى، وهكذا في توازن رائع يستمر إلى آخر السورة، فالتوازن حقيقة واقعة في هذا الجزء، يمكن أن يضاف إلى تفسير جزء عم، ونشير إليها عند تناولنا لهذه الآيات وهو ما كنت أفعله عند تدريسي لهذا الجزء، والله أسأل أن يجعل الصواب والسداد رفيقنا في أعمالنا ونتاجنا، فما كان في هذه الكلمات من صواب فهو من الله، وما فيه من خلل قصور فمن نفسي والشيطان أعاذنا الله منه.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير