تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فالقرآن الكريم – وهو كتاب الإسلام ودستور هذه الأمة – ليس مترجماً وإنما هو كتاب عربي، نزل بلغة العرب المبِينة، وفى شأن ذلك يقول تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون .. يوسف/2) "أي: لعلكم تفهمونه، وتحيطون بمعانيه ولا يلتبس عليكم، (ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته .. فصلت/44) " [تفسير الكشاف2/ 441]، يعنى لالتبس عليهم ولقالوا: لولا بينت آياته.

ولقد ورد ما يؤكد عربية القرآن في سور عديدة منها ما جاء في قوله: (وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًا .. الرعد /37)، وقوله: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين .. النحل/103)، وقوله: (وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًا .. طه/113)، وقوله: (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين .. الشعراء/ 192 - 195)، وقوله: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون. قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون .. الزمر/ 27 - 28)، وقوله: (كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون .. فصلت/3)، وقوله: (وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها .. الشورى/7)، وقوله: (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون .. الزخرف/3)، وقوله: (وهذا كتاب مصدق لساناً عربيًا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين .. الأحقاف /12).

وهذا التأكيد على عربية القرآن لا بد أن يكون دافعاً لكل مسلم إلى أن يتعلم الفصحى ما استطاع ويتقن أساليبها، بل ويعتز بأنه ينطق بلغة القرآن والإسلام، أعنى باللغة التي أنزل الله بها خير كتبه في خير لياليه على خير رسله إلى خير أمة، فأضحت بهذه المقومات خير لغة ولسانها خير لسان .. فالفضل كل الفضل في الحفاظ على هذه اللغة المختارة – وليس سواها – راجع إلى كونها لغة القرآن، إذ لولا نزوله بها لاندرست معالمها، ولانمحت آثارها، ولاعتراها ما يعتري "اللغات الحية المعاصرة، فإن أقصى عمر لهذه اللغات – في شكلها الحاضر – لا يتعدى قرنين من الزمان" [فصول في فقه العربية د. رمضان عبد التواب ص 414].

كما يعني ذلك التأكيد، أن إحياء العربية وبعثها من جديد في القلوب وعلى الألسنة، هو في حقيقة الأمر إحياء للدين في حياة الناس، والعكس صحيح فهدمها هدم للدين ولتعاليمه.

وإذا كان فرضاً على كل مسلم أن يتعلم فرائض الصلاة وأركان الحج وقيمة الزكاة وغير ذلك من الأمور المتعلقة بمطلوبات الله ومراداته، والضابطة لحركة الحياة والأحياء – حيث لا سبيل لنيل رضاه سبحانه في الدنيا والآخرة إلا بتأديتها والوقوف على حِكمها وأسرارها – ففرض عليه كذلك أن يرفع شأن اللغة التي تجعله يفهم أوامر الله وينتهي عن نواهيه، وفي شأن هذا يقول الإمام الشافعي فيما نقله عنه الإمام الشوكاني: "يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جَهده في أداء فرضه" [إرشاد الفحول للشوكاني ص 252]، ويقول الإمام الماوردي: "ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره" [السابق]، وما ذكراه لا يختلف كثيراً عما ذكره غيرهما من أهل العلم، ولهم في ذلك كل الحق، فاللغة هي لباب الإسلام وروحه وحفظها حفظ له، وإلا تحول الإسلام إلى دين ذي طقوس وإلى شعائر تمارس من غير فهم لمنهجه ولا معرفة لنظرته في أمور الحياة والأحياء ولا في شئون الدنيا والآخرة.

وكلام أهل العلم على هذا النحو، له أبعاده .. فهو لا يأتي هكذا من فراغ، إذ جميعهم يدرك عن يقين، أن المعوّل عليه في العمل بدين الإسلام هو تدبر ما أنزل الله من الكتاب وفهم هذا الدين حق الفهم، وليس على نحو ما عليه سائر الأديان الأخرى إن صح التعبير .. كما يدرك جميعهم أن فرائض هذا الدين الخاتم وواجباته لا يتم تعلمها إلا بتعلم اللغة التي نزلت بها، فهم – من ثم – يُعملون القاعدة الشرعية التي تقرر أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، ويبين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حين يشير في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم إلى "أن نفس اللغة من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" [الاقتضاء ص 207]، ويقول في نفس المصدر: "إن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغاً عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي وجعل السابقين إلى هذه الدين

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير