تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

متكلمين به، لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم" [السابق 162] .. ويقول في الجزء الثاني والثلاثين من مجموع فتاويه: "معلوم أن تعلم وتعليم العربية فرض على الكفاية، وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسنة المائلة عنه، فيُحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام 32/ 252].

على أن قوله – رحمه الله –: "وتعلم العربية فرض على الكفاية"، هو مما يزيد من تحمل العبء على دارسي العربية وعلوم أصول الدين والشريعة من خريجي وطلبة الجامعات والمعاهد والمدارس الإسلامية، في طول البلاد – التي رضيت الإسلام ديناً – وعرضها، إذ بهم – وإن كنا نشك في ذلك – يمكن أن تتحقق الكفاية التي إذا لم تتوفر في إفهام الناس دينهم من خلالها، أثم الجميع .. ومصدر التخوف والانزعاج والتشكك من عدم تحقق الكفاية، هو واقع المسلمين الآن، ولاسيما في البلاد غير الناطقة بالعربية والمحسوبة على الإسلام، إذ يشير ذلك الواقع المرير إلى بقاء الوضع كما هو، وإلى غياب الوعي الديني في حق السواد الأعظم من المسلمين وعدم فهم الكثير منهم لشرائع الإسلام، وعدم القدرة على استيعاب الكثير من أحكامه، ناهيك عن شيوع السفور والاختلاط والتحلل الفكري والتأثر المفرط بثقافات الغرب وبغيرها من الأفكار الهدامة، تلك الأشياء التي ساهمت بشكل مباشر – ولا زالت – في هجران الدين ولغته.

لقد نقل ابن تيمية – رحمه الله – عن الإمام أحمد كراهة الرطانة من أجل هذا ونحوه، كما كره تسمية الشهور بالأسماء الأعجمية، والوجه عند الإمام أحمد في ذلك: "كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية وأردف شيخ الإسلام يعلل لذلك قائلاً: "لأن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون" [اقتضاء الصراط المستقيم ص 203]، قال ابن الأثير: "الرَِّطانة، بفتح الراء وكسرها والتراطُنُ: كلام لا يفهمه الجمهور .. والعرب تخص بها غالباً كلام العجم" [النهاية في غريب الحديث 2/ 233].

وهذا كله يدعونا لأن نفخر بلغتنا، وبخاصة أنها لغة دين حيث حملت لنا آخر الرسالات، وأريد لها أن تكون لسان الوحي، وقدر لها أن تستوعب رسالة الإسلام وأن تختزل مضامين الرسالات السابقة، وأن تطوي المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه إلى يوم الدين، فهي – من ثم – وعاء ثقافتنا وعنوان هويتنا .. ولا أقل من أن تتضافر الجهود على تفعيلها، وأن تصدر في بلاد العرب والمسلمين بلا استثناء، القرارات السيادية التي تدين وتجرم من يستهين بها أو يستهزئ بمتحدثيها، والتي تمكن لها وتفرض استعمالها في مختلف شئوننا وثقافاتنا وفي سائر مناحي حياتنا، على نحو ما جرى في سوريا حين صدر القرار الجمهوري رقم 4 بتاريخ 26/ 1/ 2007 القاضي "بتكوين لجنة للتمكين للغة العربية والمحافظة عليها والاهتمام بإتقانها والارتقاء بها" .. وما جرى مثله في دول العراق والإمارات والسعودية.

والذي نود أن ننوه إليه هنا، أنه إذا كانت اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، فإن الأمة العزيزة القوية هي التي تعتز بلغتها، وتعمل على فرضها وتحرص على استقلالها اللغوي كما تحرص على استقلالها العسكري والاقتصادي تماماً، وهي التي تحترم قوانينها اللغوية وتتمسك بأهدابها، والعكس صحيح فالأمم الذليلة المستضعفة هي التي تفرط في لغتها حتى تصبح أجنبية عنها على الرغم من أنها منسوبة إليها .. من هنا "كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يُسمِّي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطاً لها بالعجمية، وهذا الذي ذكره، قاله الأئمة مأثوراً عن الصحابة والتابعين" [الاقتضاء ص 204 وينظر فضل العربية لمحمد بن رسلان ص 28]، وما انفك السلف يكرهون تغيير شعائر العرب بالتحدث بغير العربية حتى في المعاملات، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: (من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه)، مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها ولكن

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير