تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الحاصل أن مجموع ما عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم أربع آنية في حادثة الإسراء بعد أن ألقى كل نبي خطبته في بيت المقدس: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: [ثم جاءني جبريل بأربعة آنية، إناء فيه ماء،وإناء فيه عسل، وإناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، فقال: ألا تشرب يا محمد؟ عليه صلوات الله وسلامه] وكان سبب هذا الشرب وسبب عرض الآنية عليه هو لما حصل له من العطش في هذه الرحلة المباركة من مكة إلى بيت المقدس فإذن كان عرض الآنية عليه في الدنيا من أجل دفع الظمأ والعطش -[قال: فأخذت إناء الماء فشربت منه قليلا ً، فقال لي جبريل: لو ارتويت منه لغرقت وغرقت أمتك] والسبب في هذا أن الماء ليس كاللبن الذي هو شراب وغذاء، إذ أن اللبن غذاء الفطرة وأما الماء فهو دافع العطش والظمأ فقط فيأخذ الإنسان بمقدار دفع الحاجة فلو أخذ منه أكثر من المطلوب لآذى نفسه، ولو سلك الإمام طريق الأذى فالرعية سيسيرون وراءه، فأنت لو أخذت من الماء أكثر من حاجتك لنتج عن هذا أنك تغرق في شعب الدنيا وأوديتها وحطامها ولذائذها وتنهمك فيها وتعرض عن الآخرة وحاشاك من ذلك، إنما هذا على سبيل الافتراض البعيد ولغرقت أمتك أي لتبعت الدنيا وأعرضت عن الآخرة.

إذن الانهماك في الماء والأخذ منه فوق الحاجة يدل على ركون إلى الدنيا، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام أزهد خلق الله في حطام الدنيا وهو الذي يقول: [مالي وللدنيا إنما أنا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها]، وقال في الحديث (قال) ولم يقل (نام) لأن القيلولة وقتها قصير من بعد الظهر إلى العصر بخلاف النوم، فإنه يكون طويلا ً لوقوعه في الليل، وهذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام كان قليل النوم وكان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فإذا فرغت فانصب أي إذا فرغت من طاعة فانصب إلى طاعة أخرى وعملك جد متواصل وليس عندك كسل ولا فتور كما هو الحال في جامعاتنا الهابطة (4) شهور إجازة وعطلة، أي الطالب يصبح عاطلا ً، وطالب العلم الحقيقي لا يتوقف عن العلم إلا في مناسبات شرعها الإسلام كالعيدين، وما عداهما فلا ينبغي أن يتوقف عن العلم أو يعطى عطلة والله المستعان، فلا يوجد في قاموس المسلمين شيء اسمه عطلة لأن الله سبحانه يقول لنبيه ونحن له في هذا تبع (فإذا فرغت فانصب)، فإذا فرغت من طاعة وعمل فانصب إلى عمل آخر ولا تظن أن العمل انتهى لأن الدنيا مزرعة الآخرة ولابد من غرس عمل متواصل، أما الحصاد ففي يوم الدين (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) والمزارع لا يعرف العطلة في موسم الزراعة، فذاك هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام مع الدنيا.

[وأما إناء العسل فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وشرب منه قليلا ً] وذلك لأن العسل شفاء كما قال تعالى (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) فإذن هو بمثابة الدواء والإنسان يأخذ منه بمقدار الحاجة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه غذاءً لشفاء البدن وصحته.

والعسل من آيات الله البارزة التي يخرج من هذا الحيوان وهي النحلة، قيل لبعض الصالحين: بأي شيء عرفت ربك؟ قال: بالنحلة قالوا: وكيف؟ قال: بأحد طرفيها تعسل وبالطرف الآخر تلسع، ومقلوب العسل لسع، أي عكس كلمة (عسل) خطاً (لسع).

وهذا من عظيم قدرة الله كيف يخلق المتضادات وليس المتناقضات في بدن واحد، ففيها سمية وفيها مادة حلوة عسلية، والعسل هذا من الأغذية المباركة وقد ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم (4/ 200، 403) بسند صحيح كالشمس عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً، وروي موقوفاً عليه بإسنادين والموقوف له حكم الرفع وفيه [عليكم بالشفاءين العسل والقرآن] أما القرآن فقوله تعالى دال على ذلك (قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) وهو – أي القرآن – لعقولنا كالشمس لأعيننا، وعين بلا أنوار لا ترى وعقل بلا وحي لا يهتدي، وهو لأرواحنا كالماء للسمك، فسمك بلا ماء لا يعيش وأرواح بلا قرآن ميتة (أومن كان ميتاً فأحييناه) (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا).

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير