تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[خاص لأهل التحريرات]

ـ[الجكني]ــــــــ[03 Jul 2006, 08:12 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي حرر عقول العلماء من سلطان الجهل،ونوّر بصائرهم بنور العلم،وأخذ عليهم العهد بتبيين العلم متى استقام الدليل، ولم يتعبدهم بقول فلان وفلان متى خالف الدليل،بل قال "قل هاتوا برهانكم " والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي الخاتم،المبعوث بالرحمة والتيسر والمحفوظ عن السهو و الغفلة في التبليغ،ورضي الله عن صحابته الكرام بلغوا لنا القرآن كما سمعوه وتلقوه،ولم يجتهدوا فيه بحرف بل قرؤا و أَقرؤا كما أُقرؤا، فكان قولهم وفعلهم سنة يأخذها الآخر عن الأول ما تواتر الليل والنهار أما بعد:

لا شك أن القراءات العشر وصلت إلينا متواترة وصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الأمة لم تُهمل أي قراءة منها، ولا أصلاً من أصول تلك القراءة، بل حافظت عليها عن طريق حفظها في الصدور والسطور، وهذا تحقيق لوعد الله تعالى) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (.

لكنْ لمّا طال الزمن، وبَعُد العهد عن القراء أصحاب هذه القراءات، وأُلِّفت الكتب في قراءاتهم؛ جامعةً لمختلف رواياتهم، وتشعبت طرقهم، وابتكر الناس – لِقِصَر الهمم- طريقة (جمع القراءات) في ختمة واحدة، مخالفين في ذلك ما درج عليه السلف من إفراد كل رواية على حدة، نشأ ما سمّاه المتأخرون بـ (التحريرات).

ومادة ‹حرّ› في اللغة: خيار كل شيء، ([1]) ومن ثَمَّ أطلق مجازاً على أكثر من معنى، يناسب (البحث) هنا منها: الفعلُ الحسن، ([2]) ومنه قول طَرَفَة: ([3])

لا يكن حبّك داء قاتلاً * ليس هذا منك ماويّ بحرّ ([4])

أي: ليس هذا منك بفعل حسن.

ومنه قولهم: تحريرُ الكتابِ وغيره، أي: تقويمُه وتخليصه، بإقامة حروفه، وتحسينه بإصلاح سَقَطِه.

أمّا تعريف (التحرير) اصطلاحاً عند القائلين به من أهل القراءات فهو: تنقيح القراءة من أي خطأ أو خلل. ([5])

ويقصدون بذلك تمييز الأوجه والطُّرُق والروايات عن بعضها، وعدم اختلاطها في الأداء حتى لا يقع القارئ في التلفيق. ([6])

فـ (التلفيق) و (التركيب) و (الخلط) المضافة إلى (القراءات) كلّها مصطلحات لمسمًّى واحد عندهم وهو: الانتقال من قراءة إلى أخرى، أثناء التلاوة، دون إعادة ولا تكرار لأوجه الخلاف، بل إن القارئ يقرأ آية؛ أو بعضها أو أكثر منها، على قراءة، ثم ينتقل إلى قراءة ما يليها وفق قراءة قارئ آخر؛ دون عطف لأوجه الخلاف في الموضع الواحد.

ويرى كاتب هذه الحروف أن (التحريرات) قسمان:

الأول: تحريرات في الطرق والروايات، كما فعل الإمام الداني في "التيسير" مقارنة بما في "جامع البيان" وكما فعل ابن الجزري في "نشره" حيث سبر غَوْر كثير من كتب القراءات، فحرّر منها هذه الطرق والروايات، وتلك سمة بارزة في كتب السلف المتعلّقة بالقراءات، حيث يبدؤن مؤلّفاتهم بذكر أسانيدهم المتصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عندهم: لا بدّ لكل من قرأ بمضمّن كتاب أن يعرف طرقه. ([7])

الثاني: تحريرات في (الأوجُه) وتفرّقوا فيه إلى ثلاث شعب:

الأولى: لم يَرِد عنهم فيها شيء ألبتة، قلَّ أو كثر، تلميحاً أو تصريحاً، وهم السلف الأقدمون، فلم يُعرَف عنهم فيما وصلنا عنهم من تراثهم ترتيب وجه على آخر، أو منعه عنه، وهم لم يحتاجوا إلى هذا؛ لأنهم كانوا يُفرِدون كلّ قراءة على حدة، بل كلّ رواية؛ ولا يبالون بطول الزمن أو قصره في ذلك.

الثانية: مَن جاء عنهم شيء منها، ولكن باقتصاد، وعدمِ فتح الباب على مصراعيه، منهم ابن الجزري كما سيأتي بيانه.

الثالثة: عكس السابقتين، حيث اهتموا بها كثيراً، وبالغوا فيها أشدّ مبالغة، وهم بعض المتأخرين، حتى إن بعضهم أفردها بالتأليف، ([8]) فشعّبوا فيه الأقوال والتعقّبات، والأخذ والردّ، والجواز والمنع، إلى درجة أن بعضهم – وهو الشيخ القسطلاني - صرّح بأن عدم (التحريرات) يؤدّي إلى قراءة ما لم ينزل،قال رحمه الله تعالى وتجاوز عنا وعنه:فإن قلت:هذه الأوجه التي يقرأ بها بين السور وغيرها التي ربما بلغ بعضها في بعض المواقع نحو (4000) أربعة آلاف وجه؟؟ هل لأهل الشأن فيها نقل يعتمد ون عليه؟ أو هو قياس من عند أنفسهم؟ فإن كان الأول فبينوه وإن كان الثاني فأنتم تمنعونه اتفاقاً؟ أجيب: بأنه لما كان اعتماد أهل هذا الفن في القراءات

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير