تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

من شيم سور القرآن الكريم في موضوعها – خاصةً بعد مقدمة إيمانية إن كانت السورة طويلة – أن تبدأ في عرض الموضوع ثم تبتعد قليلًا بالخوض في المواضيع الإيمانية الأخرى وقبل نهاية السورة تعود لموضوعها مرة أخرى.

* الترتيب المعجز للسور

ترتيب السور خلف بعضها البعض ترتيبٌ معجزٌ، فالسور لم ترتب حسب تاريخ نزول كلٍّ منها، بل هذا ترتيب توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نزلت كل فقرة في مناسبة فيما عُرف بأسباب النزول، ويعجب المتدبر حين يجد كل سورة ترتبط بسابقتها خاصةً في أوائلها، وترتبط كذلك بلاحقتها خاصةً في أواخرها كحلق السلسلة الواحدة.

قد نجد هذه الرابطة مباشرة وواضحة خاصةً في السور القصيرة نسبيًّا وقصار السور، كقوله تعالى في سورة الطور: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]، ثم قوله تعالى في أول سورة النجم التي تأتي في الترتيب بعدها مباشرةً: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1]، فذكر النجم بعد النجوم مناسب تماما.

وكذكره تعالى في سورة الفيل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1]، ثم أول لاحقتها سورة قريش: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1]، أي أنه تعالى فعل ما فعل بأصحاب الفيل ما فعل إلا لإيلاف قريش، فاللام هنا لام العلة.

وقد نجد الرابطة بين السور رابطة موضوعية، خاصةً في السور الطويلة، مثل أواخر الزمر وأوائل لاحقتها غافر في ذكر حملة العرش وأحوال الآخرة، وقد نجد هذه الرابطة في سمات المعاني، مثل أواخر سورة هود: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ... } [هود: 120]، وأوائل لاحقتها يوسف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... } [يوسف: 3]، فالقصص المذكورة في آية سورة يوسف هي أنباء الرسل المذكورة في آية سورة هود وكذكر الغفلة في آخر هود ثم في أوائل يوسف (الآية 3).

وكابتداء بعض السور بالحمد بعد نهاية سابقتها بذكر فصل القضاء (أحداث الآخرة) كعادة القرآن في ذكر الحمد بعد فصل القضاء، مثل الأنعام بعد المائدة، ومثل فاطر بعد سبأ.

كما نجد سمات هذه الرابطة في سمات الألفاظ:

- مثل قوله تعالى في آخر الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .. } [الفاتحة: 6، 7]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها البقرة: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1، 2].

فالهدى هنا معنى مشترك، كأن القرآن يقول لمن يقرأه: إذا أردت الهدى {اهْدِنَا} فاذهب إلى سورة البقرة: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وما بعدها.

- مثل قوله تعالى في آخر الحجر: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].

ثم قوله في أول لاحقتها النحل: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1].

- مثل قوله تعالى في آخر النحل: {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 127، 128]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا .. } [الإسراء: 1].

حيث إن علاج ضيق الصدر دائمًا يكون التسبيح، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ .... } [الحجر: 97، 98].

- مثل قوله تعالى في آخر الإسراء: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا .. } [الإسراء: 111]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الكهف: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ .. } [الكهف: 1]، ثم قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف: 4].

كأنما الحمد الثاني - في الكهف - استجابة للأمر الأول بالحمد - في الإسراء - ثم نقد فكرة اتخاذ الله للولد في الحالتين (الإسراء والكهف).

- ومثل قوله تعالى في آخر طه: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ... } [طه: 35] ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ... } [الأنبياء: 1]، فالتربص يقتضي الاقتراب.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير