تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

"ووجه إعجازه: أن الله تعالى قد أحاط بكل شئ علما، وأحاط بالكلام كله علما، فعلم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلى الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط، بهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة.

وبهذا النظر يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها إن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك، وعجزوا عنه.

والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامه فيبدل فيها وينقح، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضيع للنظر والبدل، وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظه، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد ".

والجملة الأخيرة في هذا النص من أجمل ما قيل عن إعجاز القرآن!!

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ {1} حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ {2}

1 - ألهاكم:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام"ألهاكم" .. فلا الشغل ولا الاشتغال ولا الانهماك ولا اللعب ولا غيرها تفي بالمقصود ..

"ألهاكم" .. وحدها دلت على الإفراط والتفريط معا .. فالمتلبس باللهو حاصل منه دائما شيئان:

-إضاعة الوقت والجهد في ما هو باطل أو قليل العائدة.

-الغفلة عن واجب أو أمر أكثر فائدة ..

فيكون اللاهي مسؤولا عن أمرين:

الوقت المهدور والواجب المتروك ..

وقد قيل إن اللعب للأطفال واللهو للراشدين .. فالطفل في لعبه ينهمك في ما هو باطل ولكنه أثناء لعبه لا يجب عليه شيء .. أما لعب الراشد فهو لهو لأنه اشترك مع الطفل في إضاعة الوقت والجهد لكنه انفرد عنه بأمر ذي بال وهو أنه مكلف –حين لعبه-بأمور جادة غفل عنها وفرط فيها ...

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ..

حملت إذن تبكيتا مزدوجا للكفار ..

2 - التكاثر:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام "التكاثر" بل إن هذه الكلمة كافية لتلخيص تاريخ البشرية كله!

فمن صيغة (تفاعل) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالتنافس والتحاسد والتصارع والتسابق وإشعال فتائل الحروب .. وما قصة التسابق نحو التسلح عنا ببعيدة!

ولو ألقينا نظرة في تاريخ البشر لوجدناه يتلخص في هذه الكلمة، فما الحروب وما الصراعات وما الإنقلابات إلا تعبيرا عن هذه الرغبة الكامنة في النفوس:التكاثر.

ومن مادة الكلمة (ك-ث-ر) انبثقت كل المعاني المتعلقة بالمقتنيات والملكيات والطمع والاشتهاء .. كما بين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري:

5958 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلْئًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ.

وهكذا نرى كيف حددت هذه الكلمة لوحدها طبائع الناس الداخلية وعلاقاتهم الخارجية في آن واحد.

3 - زُرْتُمُ:

لو أدرت لسان العرب لم تجد ما يقوم مقام" زُرْتُمُ"

قال ابن حيان:

"وسمع بعض الأعراب {حتى زرتم} فقال: بعث القوم للقيامة، ورب الكعبة، فإن الزائر منصرف لا مقيم".

وقال بعد ذلك:

وقيل: هذا تأنيب على الإكثار من زيارة تكثراً بمن سلف وإشادة بذكره.

وإيراد القول الأخير أثار العجب عند بنت الشاطيء فقد كانت تفضل لو وقف أبو حيان عند" اللمحة الثاقبة لذلك الأعرابي الذي يجد حس لغته فطرة وسليقة بدل أن يمر بها سريعا كأنه لم يعنه منها شيء "

والحقيقة أن الوقوف على المعنى العقدي أظهر وأولى من الوقوف على الحكم الفقهي ..

فالكلمة إذن لها وجهان:

-وجه إخباري وصفي حمل معلومة عن سلوك هؤلاء.

-ووجه حجاجي حمل دعوى البعث والخروج من الأجداث.

فأي كلمة يمكن أن تقوم بالوظيفتين غير كلمة زرتم القرآنية!

4 - حتى:

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير