تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الجنة لا ينقضي وأنت لم تر شيئًا إلا منقضيًا، قال الخليل: فقلت له بالشاهد الحاضر استدللت على ذلك كله، أما الله تعالى فإنما استدللت عليه بأفعاله الدالة عليه ولا مثل له، وفي الشاهد مثل ذلك، وهو الروح التي فيك وفي كل حيوان تعلم أنك تحسّ بها، وهي تحت كل شعرة منا، ونحن لا ندري أين هي ولا كيف هي ولا ما صفتها ولا ما جوهرها، ثم نرى الإنسان يموت إذا خرجت ولا يحسّ بشيءٍ خرج منه، وإنما استدللنا عليها بأفعالها وبحركاتها، وتصرّفنا بكونها فينا .. ، وأما قولك أنّ أهل الجنة لا يتغّوطون مع الأكل، فالشّاهد لا يمنع ذلك، ألا ترى الجنين يغتذي في بطن أمه ولا يتغوّط، وأما قولك أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي مع أن أوله موجود، فإنا نجد أنفسنا نبتدىء الحساب بالواحد ثم لو أردنا أن لا ينقضي لما لا نهاية له لم نكرِّره واعداده تضعيفه إلى انقضاء ما، قال: ففتح الباب لي وأحسن ضيافتي.

وكان عبد الله بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة يأتي جارًا له يقول بالنجوم، فدخل في قلبه شيء، فجاء إلى الخليل فقال له: أنت عبد الله بن الحسن؟ قال: نعم، فسأله عن شيءٍ من القدر، فقال الخليل: أخبرني عن الحاء من أين مخرجها؟ قال: من الحلق، قال فأخبرني عن الباء من أين مخرجها؟ فقال: من طرف اللِّسان، قال: تقدر أن تخرج هذه من مخرج هذه؟ قال: لا، قال: ثم فإنّك مائق، ثم: أنشأ يقول من الخفيف:

أبلغا عنّي المنجم أنِّي ... كافرٌ بالذي قضته الكواكب

عالمٌ أنَّ ما يكون وما كا ... ن بحتمٍ من المهيمن واجب

قال فيه يحيى بن خالد البرمكي: أربعة لم يدرك مثلهم الخليل بن أحمد وابن المقفع وأبو حنيفة والفزاري.

ومن أحواله وأقواله:

قال الخليل: ثلاثة أشياء ينسين المصائب: مرّ الليالي والمرأة الحسناء ومحادثة الرجال.

وقال: إن لم تكن هذه الطائفة يعني أهل العلم أولياء لله فليس لله ولي.

وقال: أكمل ما يكون الإنسان عقلا وذهنًا عند الأربعين.

وعنه قال: لا يعرف الرجل خطأ معلمه حتى يجالس غيره.

وكما يروى له في الزهد:

وقبلك داوى المريض الطبيب ... فعاش المريض ومات الطبيب

فكن مستعداً لداعي الفنى ... فإن الذي هو آت قريب

وكان يقول: أكمل ما يكون الإنسان عقلا وذهنًا إذا بلغ أربعين سنة، وهي السن التي بعث الله تعالى فيها محمدًا صلى الله عليه وسلم، ثم يتغير وينقص إذا بلغ ثلاثًا وستين سنة، وهي السن التي قبض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان في وقت السحر.

وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل جوابه:

أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال

شحاً بنفسي أني لا أرى أحدًا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال

الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

فقطع عنه سليمان الراتب فقال الخليل:

إن الذي شق فمي ضامن ... للرزق حتى يتوفاني

حرمتني خيرًا قليلا فما ... زادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل يعتذر إليه، وأضعف راتبه، فقال الخليل:

وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا

لا تعجبن لخير زل عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا

واجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع فقال: رأيت رجلا علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل قال: رأيت رجلا عقله أكثر من علمه.

حياته العلمية:

لقد "أدرك الخليل بفطرته السليمة أن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة، فاجتهد في طلب العلم وأخلص في طلبه؛ فكان غيورًا على اللغة العربية (لغة القرآن)؛ مما دفعه إلى العمل على وضع قواعد مضبوطة للغة، حتى عدَّه العلماء الواضع الحقيقي لعلم النحو في صورته النهائية، التي نقلها عنه تلميذه (سِيبوَيه) في كتابه المسمى (الكتاب) فذكره وروى آراءه في نحو ثلاثمائة وسبعين موضعًا معترفًا له بوافر علمه، وعظيم فضله".

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير