تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

قال أبو طاهر بن أبي هاشم تلميذ أبي بكر بن مجاهد: رام هذا الغافل مطعناً في شيخنا أبي بكر فلم يجده، فحمله ذلك على أن قوّله قولاً لم يقله هو ولا غيره ليجد مساغاً إلى ثلبه، فحكي عنه أنه اعتقد أن تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» هو قراءات القراء السبعة الذين ائتم أهل الأمصار بهم فقال على الرجل إفكاً، واحتقب عاراً، ولم يحظ من أكذوبته بطائل، وذلك أن أبا بكر كان أيقظ من أن يقلد مذهباً لم يقل به أحد قبله أهـ (7).

ثالثاً: شهرة هؤلاء السبعة بين القراء، واتفاق أهل الأمصار عليهم، وكثرة الرواة عنهم. حتى إن أبا عبيد القاسم بن سلام قال فيهم: إنهم تجردوا في القراءة واشتدت بها عنايتهم وكثر لها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم، ويقتدون بهم فيها.

وقال ابن مجاهد: فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفاً شاذاً فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام، ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزاً في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه أهـ (8).

موقف القراء من تسبيع ابن مجاهد

لم يعرف القراء قبل ابن مجاهد التسبيع، ولا كان مؤلفوهم يخصونهم بالذكر، ولما سبع ابن مجاهد أخذوا عليه في هذا التسبيع أموراً:

أولاً: إنَّ الاقتصار على سبعة يوهم أن ذلك هو المراد من حديث الأحرف، وإن لم يكن هو مراد ابن مجاهد، وقد وجد من قال بذلك، ونبه العلماء على خطئه.

ثانيا: اتهم ابن مجاهد بقلة الإطلاع وعدم المعرفة الواسعة بالرواة عن الأئمة القراء، وأنه قدم ما حقه التأخير، واكتفى براويين عن كل إمام مع أن بعضهم قد يوجد له من الرواة الثقات أضعاف ذلك.

ثالثاً: فكما انتقد ابن مجاهد في مسألة تخير الرواة عن الأئمة فقد انتقد في اختيار بعض السبعة.

قال المقرئ ابن عمار المهدوي رحمه الله: أما اقتصار أهل الأمصار في أغلب أمورهم على القراء السبعة الذين هم نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر فإن ذلك على سبيل الاختصار، عندما رواه من أكثر القراءة، بسبب اتساع الاختيارات، فذهب إليه بعض المتأخرين على وجه الاختيار والاختصار، فجعله عامة الناس كالفرض المحتوم، والشرع المعين المعلوم، حتى صار بعضهم إذا سمع قراءة تخالف شيئاً مما بلغه من الحروف السبعة خطَّأ قارئها، وربما كفَّره، مع كون تلك القراءة التي أنكرها أشهر في القراءات، وأظهر في الروايات، وأقوى في اللغات.

انضاف إلى ذلك أن من قلَّت عنايته من المتأخرين اقتصر من طريق هذه القراءات السبع التي اختارها لاقتصار عليها مَن سبقه من المتأخرين على أربع عشرة رواية، فرأى حين اشتهروا عنده وعند أكثر الإقليم الذي هو فيه أن كل رواية جاءت عن هؤلاء السبعة سواها باطل، مع كون ذلك الذي عنده شاذ أشهر وأجل من الذي اعتمد عليه.

فإنّ أحداً من العلماء بالرجال لا يشك أن إسماعيل بن جعفر أجل قدراً من ورش عثمان بن سعيد، ومن قالون عيسى بن مينا، وأن أبان بن يزيد العطار أوثق وأشهر من حفص بن سليمان البزاز، وكذلك كثير منهم.

ولقد فعل مسبع هؤلاء السبعة ما لم يكن ينبغي أن يفعله، وأشكل على العامة حتى جهلوا مالم يسعهم جهله.

وذلك أنه قد اشتهر عند الكافة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف». ثم عمد هذا المسبع إلى قوم قد اختار كل رجل منهم لنفسه قراءة من جملة القرءات التي رووها – وكانوا لعمري أهلاً للاختيار لثقتهم وأمانتهم وعلمهم وفصاحتهم – فأطلق عليهم التسمية بالقراءات، فأوهم بذلك كل من قلَّ نظره، وضعفت عنايته أن هذه القراءات السبع هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وأكد وهمه ما يراه من اجتماع أهل الأمصار عليها، واطراحهم ما سواها.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير