تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[رسالة ابن طفيل الأندلسي وقصيدته في أمر المصحف العثماني]

ـ[محمد الأمين بن محمد المختار]ــــــــ[16 Sep 2010, 11:05 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

لقد كان من السنن الحميدة للكتاب والأدباء أن يخلدوا الأحداث الجسيمة والمآثر العظيمة التي ييتهج بها المسلمون، حتى تبقى تلك الأحداث ماثلةً على مر الأزمان، ويشارك الكتاب فيها على الأقل بالبديع والبيان، ومن أبرز الأمثلة على ذلك رسالة "الفيح القُسِّي في الفتح القدسي"، التي حبرها الأديب الجليل الكاتب أبو عبد الله محمد بن حامد بن عبد الله بن علي المعروف بالعماد الأصبهاني (ت:597هـ)، كتبها احتفاءً بيوم من أيام الإسلام العظيمة، حين أعاد الناصر صلاح الدين رحمه الله فتح بيت المقدس، وردها تحت راية الإسلام.

وهذه الرسالة التي بين أيدينا الآن تندرج في هذا المسلك، حيث إنها كتبت تخليداً لحادثة عظيمة، هي دخول المصحف العثماني إلى المغرب في بداية عهد الموحدين، في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة في أيام أميرهم عبد المؤمن بن علي (ت: 558 هـ)، وقد احتفوا به احتفاءً منقطع النظير، يحاول الكاتب أن يصف بعضاً منه، مستخدما كل براعته في النثر والنظم، حتى يعطي الحدث ما يستحقه من التعظيم.

كاتب الرسالة هو الوزير أبو بحر محمد بن عبد الملك بن طفيل، الفيلسوف المشهور، صاحب رسالة " حي بن يقظان"، توفي بمراكش سنة (581 هـ)، وهو شاعر وناثر وعالم كبير، وممن تأثروا بأقوال الفلاسفة، ويظهر ذلك من رسالته المشار إليها، غير أن المراكشي في "المعجب" يقول عنه: (وكان قد صرف عنايته في آخر عمره إلى العلم الإلهي ونبذ ما سواه، وكان حريصاً على الجمع بين الحكمة والشريعة، معظماً لأمر النبوات ظاهراً وباطنا). فلعله يكون قد رجع عن ذلك.

وبغض النظر عن الكاتب وعن الموحدين، وعن ما في الرسالة من ملاحظات، فإنها تحتفظ بقيمة كبيرة، نظراً لموضوعها البالغ الأهمية.

ومن الرسالة يتضح أن المصحف العثماني قد صنع له قالب من السندس الأخضر وفوقه قالب آخر من الذهب والفضة واليواقيت، يوضع على حمالة مصحف أيضا مصنوعة من أجود أنواع الخشب، منقوشة بمختلف الزخارف، وتوضع فوق كرسي مخصص لها، ويوضع الكل في داخل صندوق كبير منقوش أيضا ومزخرف، له دفتان، ويتم فتحه بمفتاح خاص، بمجرد إدارته فيه تنفتح الدفتان إلى الخلف، وينسحب الكرسي إلى الخارج حاملا المصحف، من دون الحاجة إلى لمسه بالأيدي، ويغلق أيضا بالطريقة نفسها. ولا شك أنها طريقة رائعة لحفظ المصحف الشريف من كثرة اللمس والتحريك، وما يترتب على ذلك من إضعاف رقوق المصحف وتعريضها للتلف، وفي داخل الصندوق أيضا موضع خاص وضع فيه مصحف المهدي بن تومرت، إمام الموحدين.

وفي ما يلي نص الرسالة، مع شيء من التنسيق وتشكيل ما يشكل، ووضع علامات الترقيم:

وصل إليهم أدام الله سبحانه تأييدهم قمرا الأندلس النيّران، وأميراها المتخيَّران، السيدان الأجلان أبو سعيد وأبو يعقوب أيدهما الله، وفي صحبتهما مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهو الإمام الذي لم يختلف فيه مختلف، ومازال ينقله خلف عن سلف، قد حُفظ شخصُه على كثرة المتناولين، وذخره الله لخليفته المخصوص بمن سخر لخدمته من المتداولين، وله من غرائب الأنباء ومتقدم الإشعار بما آل إليه أمره من الإيماء ما ملئت به الطروس، وتَحَفَّظَه من أهل الأندلس الرائسُ والمرؤوس، فتلقّي عند وصوله بالإجلال والإعظام، وبودر إليه بما يجب من التبجيل والإكرام، وعكف عليه أطول العكوف والتُزِم أشدّ الالتزام، وكان في وصوله ذلك الوقت من عظيم العناية وباهر الكرامة ما هو معتبَرٌ لأولي الألباب، وبلاغ في الإغراب والإعجاب، وذلك أن سيّدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين، أدام الله له عوائد النصر والتمكين، كان قبل ذلك بأيام قد جرى ذكره في خاطره الكريم، وحرّكته إليه دواعي خلقه العظيم، وتراءى مع نفسه المطمئنّة المرضيّة، وسجاياه الحسنة الرضيّة، في معنى اجتلابه من مدينة قرطبة محل مثواه القديم، ووطنه الموصل بحرمته للتقديم، فتوقّع أن يتأذّى أهل ذلك القطر بفراقه، ويستوحشوا لفقدان إضاءته في أفقهم وإشراقه، فتوقف عن ذلك لما جبل عليه من رحمته وإشفاقه، فأوصله الله إليه تحفةً سنية، وهديةً هنية، وتحيّة

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير