تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فقَلْقَلْتُ بالهمِّ الذي قَلْقَل الحَشا * قَلاقل عيسٍ كلهن قَلاقِلُ}

فقال الثعالبي: إني أخاف أن أكون رابع الشعراء {أراد قول الشاعر:

الشعراء فاعلمنَّ أربعة * فشاعر يجري ولا يُجرى معه

وشاعر من حقه أن ترفعه * وشاعر من حقه أن تسمعه

وشاعر من حقه أن تصفعه}

ثم إني قلت بعد ذلك بحين:

وإذا البلابل أفصحت بلغاتها * فانفِ البلابل باحتساء بَلابِلِ

فكان بهذا رابع فحول ثلاثة لهم القدم الثابتة في الشعر، نعني الأعشى، ومسلم بن الوليد، والمتنبي:

وما دمنا قد عرضنا للثعالبي الشاعر فما أولانا أن نذكر جملا مختارة من شعره، قال رحمه الله، وكتب بها إلى الأمير أبي الفضل الميكالي:

لك في المفاخر معجزات جمَّة * أبدا لغيرك في الورى لم تُجمَعِ

بحران بحر في البلاغة شابه * شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي

وتَرَسُّل الصابي يزين عُلوَّه * خط بن مقلة ذو المقام الأرفعِ

كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو * كالوشي في برد عليه موشَّعِ

وإذا تَفَتَقَ نورُ شِعرك ناضِراً * فالحسن بين مصرَّعٍ ومُرَصَعِ

أرجلت أفراس الكلام ورُضتَ أفـ * ــــراس [أفراس] البديع وأنت أمجد مبدعِ

ونقشت في مغنى الزمان بدائعاً * تُزري بآثار الربيع المُمرعِ

ومنها يصف فرسا أهداه إليه:

يا واهب الطَّرفِ الجواد كأنَّما * قد أنعلوه بالرِّياح الأربعِ

لا شيء أسرع منه إلا خاطري * في وصف نائلك اللطيف الموقِعِ

ولو أني أنصفت في إكرامه * لجلال مُهديه الكريم الألمعي

أقضمته حب الفؤاد لحبِّه * وجعلت وربطه سواد الأدمعِ

وخلعت ثم قطعت غير مضيِّعٍ * برد الشباب لجُلِّهِ والبُرقُعِ

ومن غزلياته الرقيقة:

سقطت لحين في الفراش لزمته * أضم إلى قلبي جناح مَهيضِ

وما مرض بي غير حبّي وإنما * أُدَلِّسُ منكم عاشقا بمريضِ

وقال الباخرزي: أنشدني والدي قال أنشدني -يريد الثعالبي- لنفسه:

عَرَكَتْنِي الأيام عرك الأديم * وتجاوزن بي مدى التقويمِ

وَغَضضن اللحاظ منِّيَ إلا * عن هلال يرنو بمقلة ريمِ

لحظهُ سُقْمُ كل قلبٍ صحيح * ثَغرُهُ بُرء كل جسم سقيمِ

وله أيضا فيما يتصل بالخَمريات:

هذه ليلة لها بهجة الطَّا * ووس حسنا والليل لون الغُدافِ

رقد الدهر فانتبهنا وسارقْـ * ـناه [وسارقناه] حظا من السُّرور الشافي

بمُدامٍ صافٍ وخِلٍّ مُصافٍ * وحبيبٍ وافٍ وسَعدٍ موافي

وكتب إلى أبي نصر سهل بن المرزبان يحاجيه:

حاجيت شمس العلم في ذا العصر * نديم مولانا الأمير نصر

ما حاجة لأهل كلِّ مِصر * في كل دارٍ وبكل قُطر

ليست ترى إلا بُعيدَ العصر

فكتب إليه جوابه:

يا بحر آداب بغير جَزْرِ * وحظه في العلم غير نَزرِ

حزَرتُ ما قلت وكان حَزري * أن الذي عنيت دُهنُ البَزْرِ

يَعصُرُهُ ذو قوة وأزرِ

مولده ووفاته:

ليس بين الذين تحدثوا عن الثعالبي خلاف في ميلاده، بل تكاد ترى لهم كلمة مجمعا عليها بأن أبا منصور ولد سنة خمسين وثلاث مائة، ولم يشر للخلاف في سنة وفاته غير الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات حيث قال: "وتوفي -يريد الثعالبي- سنة ثلاثين وأربع مائة، وقيل سنة تسع وعشرين" وعلى الرأيين فقد قضى الثعالبي نحبه في الثمانين من عمره تاركا ما يُربي على الثمانين مؤلفا يُعمَرُ بها ضعف هذا العمر، وقد تنقضي أعمار كثيرة دون أن تبلغ في هذا شأوه، غير أنه عاش مع هذه البسطة في العلم والتواليف مهضوما، شبه مُضَيَّق يشكو مع العوز جورا وظلما، قال رحمه الله:

ثلاث قد مُنيت بهن أضحت * لنار القلب مني كالأثافي

ديون أنقضت ظهري وجور * من الأيام شاب له غُدافي

ومقدار الكفاف وأي عيش * لمن يُمنى بفقدان الكفافِ

وكأني به وقد أنقض الهمُّ ظهره يتناوب عليه الليل والنهار بما يكره يسلمه هذا لذاك عاهدا إليه بإيذائه حين يقول:

الليل أسهره فهمِّي راتب * والصبح أكرهه ففيه نوائبُ

فكأن ذاك به لطرفي مُسهرٌ * وكأن هذا فيه سيف قاضبُ

أو لعل هذا وذاك شكوى ساعة ونفثة يراعة فقد عرفنا عن الثعالبي أنه نشأ في جوار الأمير أبي الفضل الميكالي وفي ظل الوزير سهل بن المرزبان تربط بينهم جميعا صداقة ومودة كشف لك عن بعضها شعره إليهما كما عرفنا محله من خوارزم شاه ووزيره أبي عبد الله الحمدوني.

كتبه:

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير