تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

والقول الذي ذهب غليه الإمام مالك وغيره من العلماء هو المستسهل الذي يقتضي تعلم أقل نسبة وهي ما يكون المؤمن به فاهما لمقتضى ما يقول من شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله.

وإن المتأمل في أقوال العلماء بعين الإمعان في هذا الباب يجد الأمر ذا أهمية بالغة، ويتجلى له أن من واجباته العينية تعلم جزء من العربية يفهم به معنى الشهادة ويقيم به ألفاظ التعبدات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/ 470 - 471):

(إنّ نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإنّ فهم الكتاب والسنة على الكفاية وهذا معنى ما رواه أبو بكر ابن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن زيد قال: كتب عمر غلى أبي موسى رضي الله عنه: (أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي).

وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم) وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله) أه.

ثم إن الفرض الكفائي من تعلم اللغة العربية هو ما إذا قام به ما يحصل به إقامة الحجة على الناس كفى وهذا داخل في عموم قوله تبارك وتعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله) [النساء: 135] فلا يمكن أن يكون الإنسان شاهدا لله إذا لم يكن فاهما لما يشهد به؛ لأن العلم شرط في الشهادة لقوله تعالى: (وما شهدنا إلاّ بما علمنا وما كنا للغيب حافظين) [(يوسف: 81)].

وفروض الكفاية في اللغة العربية هي بتعلم علومها الأساسية وهي اثنا عشر فنا مجموعة في قول الناظم:

نحو وصرف وعروض ثمّ قافية

وبعدها لغة قرض وإنشاء

خط بيان معان مع محاضرة

والاشتقاق لها الآداب أسماء

وهذه الفنون المذكورة في قول الناظم إذا لم يكن في الأمة من يعلمها حصل الإثم على أفرادها جميعا، وإن وجد من يعلم جزئياتها بقدر رد الشبهات وإجابة الأسئلة المتعلقة بالقرآن والسنة سقط الإثم عن الجميع.

وإن أقدمها وأشرفها هو علم النحو، لأن به إقامة الكلم ومعرفة التركيب كما قال ابن مالك في الكافية:

وبعد فالنحو صلاح الألسنة

والنفس إن تعدم سناه في سنه

وقد ذكرت نبذة عنه بإيجاز في مقالي المذكور كما أشرت إلى ذلك في مطلع هذا المقال، وإن هذا العلم الجليل من يجهله ويجهل جزئياته لا يمكن أن يفتي الناس في كثير من مسائلهم الفقهية.

ومن كبير شأن هذه اللغة وعلو منزلتها أن بعض المنتسبين للعلم قد جرّحوا بسبب لحنهم فيها ولهذا كان بعض علماء السلف يشنعون على من يروي الحديث بالمعنى ثم يلحن فيه، وأن اللحن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقع صاحبه في تغيير المعنى ولو كان عن غير قصد إذ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحن قطعا وجزما.

قال العراقي في ألفية مصطلح الحديث:

وليحذر اللّحّان والمصحّفا

على حديثه بأن يحرّفا

فيدخلا في قوله: من كذبا

فحقّ النّحو على من طلبا

ولخطورة اللحن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوه في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار) كما أشار الأصمعي بقوله:

(إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يكن يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليّ ..... ) الحديث.

ومثل ذلك القرآن الكريم إذا يجب أن يكون موافقا لوجه من وجوه النحو كما قال ابن الجزري في (طيبة النشر):

وكلّ ما وافق وجها نحوي

وكان للرّسم احتمالا يحوي

وصحّ إسنادا هو القرآن

فهذه الثلاثة الأركان

وبهذا يتجلى واضحا أن الإنسان إذا لم يكن صاحب لسان يمكن أن يعبّر أو يروي به فهو على خطر عظيم وخطأ جسيم حيث يتكلّم في العلوم الشرعية والفنون الأدبية.

ومما ذكره أهل الأخبار أن أبا الأسود الدؤلي حين كلمته ابنته وهي رافعة وجهها إلى السماء وتأمّلت بهجة النجوم وحسنها ثم قالت: ما أحسن السماء على صورة الاستفهام فقال: يا بنية نجومها؛ فقالت إنما أردت التعجب، فقال لها: قولي: ما أحسن السماء وافتحي فاك، وهذه صيغة من صيغ التعجب التي أشار إليها ابن مالك في (الخلاصة):

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير