تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

أما الفصل التاسع، ‘‘الشواهد الجاهلية وخصوصية الاستدعاء،’’ فأتناول فيه خصوصية الشعر الجاهلي في عملية الاستدعاء من خلال آليات بعينها لدى شراح المعلقات، غير تلك التي تناولتها في الفصول الأولى.

أما في الفصل العاشر، ‘‘تضافر الشواهد في إثراء دلالة النص الشعري،’’ فتناولت الباحثة أمثلة ختامية للشواهد عندما تأتي مجتمعة بآلياتها المختلفة في شرح بيت واحد، وكشفت فيه عن كيفية تضافر هذه الآليات معاً وجماليات هذا التضافر في تلقي البيت وشرحه.

وهكذا عرضت هذه الدراسة للشواهد الشعرية في شروح المعلقات وآليات استدعائها، وحاولت تحليل قضية الشاهد الشعري من زاوية جديدة دخلت به إلى حيز تفاعل النصوص الشعرية ودورها في التأويل الأدبي. وقد رأت الباحثة أن هذه الشواهد تُمثِّل عنصراً مهمًّا من عناصر شروح الشعر العربي القديم، ووسيلة أساسية لاكتشاف جماليات تلقي الشراح أنفسهم لهذا الشعر. وجدير بالذكر أن تناول الشواهد من هذا المنظور نادر في الدراسات النقدية المعاصرة لشروح الشعر الجاهلي التي ازدهرت في القرن الرابع الهجري.

وفي هذا السياق لفتت انتباه الباحثة ملاحظة أساسية في تلك الشروح؛ فالشواهد الشعرية الجاهلية كانت تزيد على ضعف الشواهد الإسلامية، واستنتجت من ذلك طبيعة فهم هؤلاء الشراح (العباسيين المتأخرين) واستيعابهم للتقاليد الفنية للشعر الجاهلي، وعلاقاته الداخلية النابعة من طبيعته الخاصة في مقابل الشعر العباسي المعاصر للشراح أنفسهم، الذي ندر الاستشهاد به في هذه الشروح مقارنة بالشعر الأموي الذي لم يخلُ من تجديد شعري وتطور في الرؤية الفنية مع سيرورة للتقاليد الجاهلية. وقد فسرت هذا بأن الشراح العباسيين المتأخرين كانوا على وعي واضح بالمسافة التاريخية التي تفصلهم عن الشعر الجاهلي ومن ثم شرحوه من خلال الشواهد الجاهلية المعاصرة له والشواهد الأموية الأقرب تمثلاًّ له ولتقاليده الفنية.

وقد أثمرت الشواهد الأموية بطبيعة الحال في تأويل الشعر الجاهلي ‘الشفوي’ من وجهة ثقافية ‘كتابية’، أي أن الشعر الجاهلي قد تم تلقيه بتلك الشواهد ‘الكتابية’ بوصفها أداة أساسية من أدوات التلقي الأدبي.

ومن ناحية أخرى كشفت الدراسة عن أن الشواهد نفسها قد اتصلت اتصالاً أساسيًّا بمفاهيم نظرية حديثة مثل ‘‘التناص’’، و ‘‘الوعي النصي’’، ونظريات حديثة كذلك مثل نظريات القراءة والتلقي التي عرضنا لها في المدخل النظري. وفي أثناء تحليلها لآليات استدعاء الشواهد رأت الباحثة أن الشَّاهد نفسه دائماً ما كان ينطوي على عدة مستويات للتلقي تبدأ من المستوى البسيط إلى المستوى المعقد، الأمر الذي ينطوي على بعد تأويلي ووعي نصيّ بتقاليد الشعر القديم.

من النتائج التي كشفت عنها هذه الدراسة كذلك أن الشَّاهد نفسه قد شكَّل زاوية رؤية للشارح تعادل في قيمتها الشرح النثري. وقد لاحظت الباحثة أن شارحاً مثل ابن الأنباري قد يذكر مجموعة من الشواهد، دون أن يورد تعليقاً على رأيه، أو على العلاقة بين شواهده ونص المعلقة، كي يدخل قارئه ‘الضمني’ في علاقة متفاعلة مفتوحة على النصوص الشعرية، مكتفياً بقوله ‘قال الشاعر،’ أو ‘ومثله قوله،’ أو ‘ومثل هذا كثير’ أو ‘هذا ضد ذاك’ وغيرها من العبارات التي تحمل في مضمونها علاقة قوية بين نصوص المعلقات والشواهد الشعرية التي تقوم باستدعائها.

إن الشارح، بحسب أفق توقعه الذي يتضمن خبرات سابقة، وطول ممارسة للنص الشعري، لا يستدعي الشَّاهد لمجرد السبب المباشر الذي قد يذكره أو يشير إليه، بحيث يأتي بالشَّاهد في إطار لا يخرج عن النص المشروح وسياق الشرح، فيصبح الشَّاهد هنا واقعاً ضمن علاقتين؛ علاقة مع البيت المشروح، وعلاقة أخرى مع الشرح والمعنى الذي يضعه الشارح؛ أي أن الشَّاهد نفسه يصبح ركيزة للربط بين النصين نص الشاعر ونص الشارح. فالشَّاهد في هذه الحالة قد دخل في حيز ‘‘تفاعل النصوص،’’ كما أن الشواهد نفسها قد عبرت عن فكرة ’النموذج‘ لكونها تمثل اختيارات شعرية يتوفر فيها عنصرا الانتقاء/الاختيار، والتكرار.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير