تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

لقد تبين لي من تتبع أقوال ابن خلدون في أحكامه التي أطلقها على العرب , أنه أطلق اسم العرب على العرب كلهم بدواً وحضرا معاً , ولكنه قد يطلقه على البدو تحديداً , وهو بلا شك يُدرك الفرق بين عرب البادية وعرب المدينة , لكنه مع ذلك أطلق اسم العرب على الجميع , حتى وإن قصد أحدهما تحديداً , , بحكم أن مصطلح العرب يشملهم جميعاً , فعرب البادية وعرب المدينة في النهاية كلهم عرب , وقد نجد في القبيلة العربية الواحدة , تجمع بين سكن البادية والحضر , فبعض أفرادها يسكنون الحضر , وآخرون يسكنون البادية , وجميعهم عرب.

وبناء على ذلك فنحن لا نوافق ابن خلدون في تعميمه لذلك المصطلح , والتسوية المطلقة بين الأعراب ةأهل الحضر , نعم كلهم عرب , لكن لعرب البادية خصائص ووضعيات وأحوال تختلف عن عرب المدينة ,وقد فرّق الشرع بينهم , قال تعالى (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً) , (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر , ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ,ألا إنها قربة) سورة التوبة , وقد نهى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أصحابه عن التعرّب , أي الرجوع إلى حياة البادية , (الألباني الأحاديث الصحيحة , ج 5/ 2244).

والشواهد الآتية تثبت ما قررته عن ابن خلدون , أولها إنه عندما تكلم عن زوال دول العرب ,قال إنهم في الأصل أمّة متوحشة همهم نهب ما عند الناس , وحتى عندما كونوا دولاً منذ زمن الخلافة الراشدة ,فقد زالت بسرعة , وتقوّض عمرانها وأفقر ساكنه. (المقدمة ص 118).

وااشاهد الثاني هو أن ابن خلدون قال إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية , أو ولاية , أو أثر عظيم من الدين على الجملة , بسبب خُلق التوحش المتأصل فيهم (نفس المصدر: 119

وكلامه هذا صريح كل الصراحة في أنه يقصد أساساً العرب من أهل الحضر ,لأن الملك الذي حصل للعرب كان في أهل المدينة , وفيهم ظهر الإسلام أساساً وكونوا دولته.

والشاهد الثالث هو أن ابن خلدون قال إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك , لأنهم أكثر الناس بداوة , ومن طبعهم نهب ما عند غيرهم , وحتى إنهم عندما ملكوا كان ذلك بسبب الدين ,فلما تركوه نسوا السياسة , وعادوا إلى بداوتهم (نفسه:119 , 120)

وهذا أيضا نص صريح في أن ابن خلدون يقصد بمصطلح العرب , البدو والحضر معاً فكلهم عرب وهم الذين قصدهم , فهم أهل البادية الذين ينهبون ما عند غيرهم , وهم الذين كونوا دولاً باسم الإسلام , وهم الذين عادوا إلى البداوة عندما تركوا الدين , وعليه فإن ماذهب إليه الباحث فاروق النبهان غير صحيح , ولا يستقيم كلام ابن خلدون عن العرب إلا مع الذي ذهبنا إليه.

وأما عن الأحكام التي أصدرها ابن خلدون في حق العرب فسنذكر منها ثلاثة , أولها إنه قال: (إن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط , بسبب طبيعة التوحش التي فيهم , فلا يطلبون إلا الأمور السهلة , ولا يركبون المخاطر , ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلا دفاعاً عن النفس.

وأقول: أولا إن حكمه هذا خاطئ من أساسه , ولايصح إصداره في حق أي شعب من الشعوب ,شرعا ولا عقلا , وليس له في زعمه هذا دليل شرعي , ولا عقلي , ولا تاريخي , فكيف سمح لنفسه بإصدار هذا الحكم المطلق الجائر المضحك؟ , نعم ليس له في ذلك دليل صحيح , وهو حكم لا يصح إصداره في حق أي أمة من الأمم ,لأن كل الشعوب لها القابلية والاستعداد للنهوض والسقوط , والانتصار والانهزام , وهي المتحكمة في زمام أمرها , فإذا اجتهدت وتوحدت انتصرت وحققت أهدافها , وإذا تناحرت وتكاسلت واختلفت فيما بينها ,انهزمت وذهب ريحها ,,,

وثانيا إنه لو كان العرب لا يتغلبون إلا على البسائط ما وصف الله تعالى العرب المسلمين بأنهم خير أمة , في قوله نعالى " كنتم خير أمة أخرجت للناس , تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " , وما حملهم أيضا مسؤولية تبليغ رسالته إلى البشرية جمعاء , وما وعدهم أيضا بالنصر المؤزر , والتمكين في الأرض , في قوله تعالى:" وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض , كما استخلف الذين من قبلهم , وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم " , ولا شك أمة لا تغلب إلا على البسائط , لا يمكن أن يفها الله تعالى بتلك الصفات , ولا يحملها تلك المسؤوليات الجسام ,,,

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير