تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[السببية في القرآن الكريم]

ـ[بكار الحاج]ــــــــ[12 Apr 2006, 10:04 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيمالسببية في القرآن الكريم

بقلم الدكتور بكار الحاج جاسم

وردت كلمة (سبب) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع ([1])، والسبب في اللغة: الحبل، وقيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، والأسباب: الوُصُل، من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب والمحاب والأتباع ([2]).

وعلاقة السببية واضحة في كتاب الله U، فالمكوَّنات مرتبطة فيما بينها، فلا يوجد الشيء إلا بوجود سببه، حتى العلاقات الإنسانية والاجتماعية ترتبط بعلاقات سببية، وكذلك الأحكام الشرعية ([3]).

فمن أمثلة السببية في الطبيعة قوله تعالى:} وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {([4]). تبين هذه الآية أن نزول الماء كان بسب السحاب، وخروج النبات كان بسبب الماء، وفي الآية ـ أيضاً ـ إشارة إلى أن الأحوال الإنسانية هي الأخرى مرتبطة بأسبابها، كإحياء الموتى.

ومن الأمثلة أيضاً قوله تعالى:} وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ {([5]). قال الرازي:"لا شك أنه تعالى قادر على خلق هذه الثمار ابتداء من غير هذه الوسائط…إلا أنا نقول: قدرته على خلقها ابتداء لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثرة والقابلة في الأجسام…وإنما أجرى الله تعالى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج" ([6]).

ونجد كذلك أن الله تعالى ربط الثواب والعقاب بأسبابهما، فالقتل العمد سبب للقصاص، والسرقة سبب لقطع اليد، والزنا سبب للجلد أو الرجم، والاستغفار سبب للتوبة، والإيمان سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار، يقول الله تعالى:} وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا! يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا! إِلا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا {([7]).

ونلاحظ أن هذه الأسباب إنما هي أسباب جعلية وليست ذاتية، أي: جعلها الله I أسباباً وربط بينها، وله I أن يفصل هذا الارتباط، فيوجد المسبَّب دون سبب، كما هو الشأن في المعجزات. فالآيات التي تشير إلى السببية هي ذاتها التي تشير إلى أن هذه السببية جعلية، وذلك بدلالة الضمير، أو اسم الجلالة، فإذا رجعنا إلى الأمثلة السابقة نلاحظ ذلك، مثل (وهو الذي يرسل الرياح… سقناه… فأنزلنا… فأخرجنا…)

ومن هنا نفهم معنى الآيات التي تنفي السببية، فهي إنما تنفي ذاتية السببية واستقلالها عن الله تعالى، فمن هذه الآيات قوله تعالى:} أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ! ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ! لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ! إِنَّا لَمُغْرَمُونَ! بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ! أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ! ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ! لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ {([8]). تؤكد هذه الآيات أن الله تعالى هو صاحب الملك، القائم بأمر الكون كله، المدبر لشؤونه. فهوIكما قال:} قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {([9]).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير