تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فإن أهل العلم اختلفوا في الرواية عن الراوي المبتدع، كالمرجئ والقدري والخارجي والرافضي وغيرهم. وفي الاحتجاج بما يروونه أقوال:

الأول: أن روايتهم لا تقبل مطلقاً، وذلك لأنهم إما كفار أو فسّاق بما ذهبوا إليه، وكل من الكافر والفاسق مرود الرواية.

وقد روي هذا عن الإمام مالك، والقاضي أبي بكر الباقلاني, واختاره الآمدي، وجزم به ابن الحاجب.

وأيّد هذا الرأي بأن في الرواية عن المبتدع ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره.

وقد رد ابن الصلاح هذا الرأي وقال: إنه مباعد للشائع عن أئمة الحديث فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة.

الثاني: وفيه تفصيل، فإن كانت البدعة صغرى قُبل وإلا فلا، وبهذا قال الذهبي معلّلاً بأنه لو ردت مرويات هذا النوع – يعين من كانت بدعته صغرى – لذهب جملة من الآثار النبوية وفيه مفسدة بيّنة؛ لأن هذا النوع كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق.

وقال: وإن كانت البدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، لا سيما ولست أستحضر الآن من هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والنفاق والتقية دثارهم فكيف يقبل من هذا حاله حاشا وكلاّ؟.

الثالث: وفيه تفصيل أيضاً: وهو إن كان المبتدع داعية إلى مذهبه لم يقبل وإلا قبل إن لم يرو ما يؤيد بدعته وهو مذهب أكثر العلماء، ونسبه الخطيب البغدادي للإمام أحمد بن حنبل.

بل نقل ابن حبان الاتفاق عليه حيث قال في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي من الثقات: وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره.

لكن قال السخاوي في فتح المغيث: كلام ابن حبان ليس صريحاً في الاتفاق لا مطلقاً ولا بخصوص الشافعية.

وأضاف الجمهور إلى كونه غير داعية أن لا يروي ما يؤيِّد بدعته، وبذلك صرّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي في كتابه معرفة الرجال، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكراً إذا لم يقو بدعته. اهـ.

قال الحافظ: وما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية.

قال الحافظ العراقي:

والأكثرون ورآه الأعدلا********ردوا دعاتهم فقط ونقلا

فيه ابن حبان اتفاقاً ورووا******عن أهل بدع في الصحيح ما دعوا

وما يرد على هذا القول تخريج البخاري لبعض الدعاة إلى البدع مثل عمران بن حطان. الذي قال فيه المبرد: كان رأس القعديّة من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم.

وقال ابن حجر: إنه كان داعية إلى مذهبه.

وأجيب عن ذلك: بأن البخاري إنما خرّج له ما حُمل عنه قبل ابتداعه ورده ابن حجر.

وقال ابن حجر في الفتح: إنما أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللهجة متديناً.

لكن ردّ ذلك البدر العيني على ابن حجر بقوله: ومن أين كان له صدق اللهجة وقد أفحش في الكذب في مدحه ابن ملجم اللعين؟ والمتدين كيف يفرح بقتل مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى يمدح قاتله.

الرابع: تفصيل أيضاً، وهو أنه إذا كان المبتدع يستحل الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل وإلا قبل؛ لأن اعتقاد حرمة الكذب يمنع من الإقدام عليه فيحصل صدقه.

وممن قال بهذا الإمام الشافعي، فقد روى الخطيب عنه قوله: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.

وحكاه الخطيب عن ابن أبي ليلى. وسفيان الثوري، وأبي يوسف القاضي. ونسبه الحاكم لأكثر أئمة الحديث.

قال الحافظ العراقي:

وقيل بل إذا استحلّ الكذبا******نصرة مذهب له ونسبا

للشافعي إذ يقول أقبل******من غير خطابية ما نقلوا

لكن قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذا المذهب فيه نظر؛ لأن من عرف بالكذب ولو مرة لا تقبل روايته، فأولى أن ترد رواية من يستحل الكذب.

القول الخامس: يرى جماعة من أهل النقل والمتكلمين أن أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة سوء كانوا فسّاقاً أو كفّاراً بالتأويل.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير