تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

يرى أن التطهير من بول الرضيع – كالتطهير من بول الكبير – إنما يَكُون بغسله، وَلاَ فرق في ذَلِكَ بَيْنَ بول رضيع أكل الطعام أو لَمْ يأكل، كَمَا أَنَّهُ لا فرق في ذَلِكَ بَيْنَ الذكر والأنثى. وإلى ذَلِكَ ذهب أبو حَنِيْفَة، وَهُوَ المشهور عن مَالِك عَلَى خِلاَف بَيْنَهُمَا في كيفية الغسل الَّذِي يجزئ في التطهير من النجاسة، فإن أبا حَنِيْفَة يشترط لتطهير النجاسة غَيْر المرئية تعدد مرات غسلها – ثلاثاً أو سبعاً والعصر بَعْدَ كُلّ غسلة (31)، وَلَمْ يشترط مَالِك أكثر من صب الماء عَلَى النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها وَلاَ يشترط لإزالة النجاسة إمرار اليد والعصر، ونحو ذَلِكَ (32).

وَقَدْ حملوا: ((إتباع الماء)) و ((نضحه)) و ((رشه))، هذِهِ الألفاظ كلها حملوها عَلَى مَعْنَى الغسل، وَقَدْ أفاض الطحاوي في إيراد الآثار الدالة عَلَى أن هذِهِ الألفاظ قَدْ تطلق ويراد بِهَا الغسل (33).

لَكِن هَذَا يؤخذ عَلَيْهِ: ان هذِهِ الألفاظ، وإن كَانَتْ تطلق أحياناً عَلَى الغسل فإن الحال في مسألتنا هذِهِ لا يحتمل ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يؤدي إِلَى تناقض تتنَزه عَنْهُ نصوص الشريعة؛ فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عَنْهَا قَدْ جاء بلفظ: ((فدعا النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بماءٍ فأتبعه وَلَمْ

يغسله)) فإذا جَعَلَ أتبعه بمعنى غسله فإن المَعْنَى حينئذ يَكُون فغسله وَلَمْ يغسله.

وَكَذَلِكَ حَدِيث أم قيس بنت محصن قَدْ جاء بلفظ: ((فنضحه وَلَمْ يغسله)) فلو حمل النضح عَلَى مَعْنَى الغسل لكان التقدير:فغسله وَلَمْ يغسله،وهذا تناقض غَيْر معقول.

وأيضاً فإن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عطف الغسل عَلَى النضح في حَدِيث عَلِيّ رضي الله عنه، وعطف الرش عَلَى الغسل في حَدِيث أبي السمح رضي الله عنه، والعطف يَقْتَضِي المغايرة. فلو أريد بهما مَعْنَى واحدٌ، لكان عبثاً يتنَزه عَنْهُ الشارع (34).

المذهب الثَّانِي:

نُسِبَ إلى الشَّافِعيّ قَوْلٌ: بأن بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام طاهر. ونسبت رِوَايَة إلى الإمام مَالِك: أَنَّهُ لا يغسل بول الجارية وَلاَ الغلام قَبْلَ أن يأكلا الطعام.

لَكِنْ ذكر الباجي (35) أن هذِهِ الرِّوَايَة عن مَالِك شاذة (36). وذكر النَّوَوِيّ أن نقل هَذَا القَوْل عن الشَّافِعيّ باطل (37).

لِذلِكَ لا حاجة للتعليق عَلَى هَذَا المذهب.

المذهب الثَّالِث:

ينضح بول الطفل الرضيع الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، فإذا أكل الطعام كَانَ حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل.

وَقَدْ فسّر هَذَا المذهب النضح: بأنه غمر مَوْضِع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يَبْلُغ جريانه وتردده وتقطره. فَهُوَ بمعنى الغسل الَّذِي سبق ذكره عن مَالِك (38).

وَقَدْ اعتمد هَذَا المذهب حَدِيث أم قيس بنت محصن، فَقَدْ جاء بلفظ: ((أَنَّهَا أتت بابن لَهَا صَغِير لَمْ يأكل الطعام ... الخ)).

وَقَد اعترض ابن حزم – القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيراً أو صغيراً –: بأن تخصيص ذَلِكَ بالصبي الَّذِي لَمْ يأكل لَيْسَ من كلام النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، لِذلِكَ فالحديث لا دلالة فِيهِ عَلَى هَذَا التحديد (39).

ويجاب عَلَى ذَلِكَ: بأنه نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها، كُلّ ذَلِكَ مستيقن بالأحاديث العامة الدالة عَلَى ذَلِكَ، كحديث ابن عَبَّاس في القبرين اللذين أخبر رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم أن صاحبيهما يعذبان، وَقَالَ: ((أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنْزه من البول)). أخرجه البُخَارِيّ وَمُسْلِم (40).

وحديث أبي هُرَيْرَة مرفوعاً: ((استنْزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب

القبر مِنْهُ)). رَواهُ أحمد (41)، وابن ماجه (42)، وابن خزيمة (43)، والدارقطني (44)،

والحاكم (45)، وصححه البُخَارِيّ (46).

وحديث ابن عَبَّاس مرفوعاً: ((تَنَزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبْر مِنْهُ)). أخرجه: البزار (47)، والطبراني (48)، والدارقطني (49)، والحاكم (50).

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير