1. القرآن الكريم لم يقل إن الشمس تطلع من عين حمئة، بل نقل وَصْفَ ذي القرنين لمشهد شروق الشمس. ولهذا قال: " وَجَدَهَا " ولم يُثبِت ذلك على أنه حقيقة كونية. فلا يجوز نسبة قول ذي القرنين وتعبيره البلاغي، إلى ما يرشد إليه القرآن الكريم من حقائق العقائد، والشواهد الكونية.
وما قال ذو القرنين ليس فيه ما يخالف العقل، لأنك إذا كنت متجهاً غرباً وأمامك جبل، فإنك سوف تجد الشمس تغرب خلف الجبل .. قطعاً لا يفهم أحد من ذلك أن الشمس تختبئ حقيقة خلف الجبل. وإن كان الذي أمامك بحيرة، فستجد الشمس تغرب في البحيرة.
وذو القرنين وصل إلى العين وقت غروب الشمس، فوجدها تغرب في تلك العين .. وعندما نقول: وجدها تغرب خلف الجبل أو وجدها تغرب في العين، فذلك الأمر بنسبة له.
الآية ليست مطلقة المعنى، بل مقيدة بشخص ذي القرنين.
كما سبق بيانُه، فإن ما رآه ذو القرنين لم يكن غروباً حقيقياً في العين الحمئة، ودليل ذلك أيضاً: أن سياق القصة ـ عقلاً ـ، ينفي إيمانه أن الشمس تغرب في عين حمئة لسببين:
الأول: ذو القرنين كان يتحدث مع السكان الموجودين قرب تلك العين الحمئة، فلو كان يقصد أن الشمس تدخل في العين حقيقة، فهل سيتكلم مع قوم حول الشمس الساخنة، ويعيشون حياة طبيعية؟
الثاني: لما وصل ذو القرنين إلى مطلع الشمس، يفترض به ـ بحسب تلك الشبهة ـ أن يجد الشمس تطلع من عين حمئة بدلاً من أن يجدها تطلع على قوم. فلماذا قال: إنها طلعت على قوم، ولم يقل أشرقت من عين حمئة؟
2. قال تعالى ـ بعد تلك الآية الكريمة ـ: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90) ".
ذو القرنين وجدها تطلع على قوم .. هل يفهم أحد من ذلك أنها تطلع على ظهورهم؟! أو أنها ملامسة للقوم؛ لأن الله جل جلاله يقول: " وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ "؟ الواضح أنها بنسبة لذي القرنين كانت تطلع على أولئك القوم ـ هذه الآية أيضاً مقيدة بما رأى ذو القرنين ـ، وما ينطبق على هذه الآية، ينطبق على التي قبلها.
3. " مغرب الشمس " هل هو ظرف زمان، أم ظرف مكان؟
من الجائز أن: " مَغْرِبَ الشَّمْسِ " هنا يقصد بها: الوقت واللحظة التي تغرب فيها الشمس، كالمغرب المذكور في الحديث الشريف: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ .. ". [1]
فيكون المعنى: ذو القرنين وصل إلى العين الحمئة، وقت الغروب. فوجد الشمس تغرب في تلك العين .. ثم وصل إلى قوم آخرين وقت شروقها.
4. لم تقل أيُّ الشعوب على وجه الأرض، أن الشمس حين تغرب تدخل داخل بئر. ولو فهم العربُ ذلك من القرآن لأنكروه.
5. غروب الشمس لا يعني دخولها في الأرض ـ حتى في تعبيرنا الحالي ـ. وفي لغة العرب: غربت الشمس، وغربت القافلة، وغربت السفينة تأتي بمعنى واحد، وهو: اتجهت غرباً. فعندما نقول: غرب طير في البحيرة، وغربت الطائرة في المحيط، وغربت السفينة في البحر، وغربت الشمس في البحيرة .. يعني اتجهت غرباً ـ بالنسبة للشخص الذي ينظر إليها ـ. ولا يعني أنها دخلت في البحيرة. [2]
وسؤال أخير إلى أولئك (الأعاجم): هل كلمة ( sunset) الإنجليزية والتي تعني حرفياً: " الشمس جلست ". تفيد أن المتكلمين بالإنجليزية ـ للآن ـ يظنون أن الشمس تجلس في البحر، أو على قمة الجبل، أو على الأفق؟
=================
[1] رواه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3459) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعاً. وذُكِر مثله في الحديث الطويل لتميم الداري رضي الله عنه مع الجساسة الذي رواه مسلم في الفتن .. باب قصة الجساسة (2942) حيث وردت عبارة: " فَلِعِبَ بِهِمُ المَوْجُ شَهْرَاً فِيْ البَحْرِ، ثُمَّ أرْفِئوا إِلى جَزِيْرَةٍ فِيْ البَحْرِ، حَتَّى مَغْرِبَ الشَّمْسِ .. ". وورد في لسان العرب لابن منظور 1/ 638 (غرب): " ولقيته مغرب الشمس ومغيربانها ومغيرباناتها أي: عند غروبها .. والمغرب في الأصل: موضع الغروب، ثم استعمل في المصدر والزمان ".
[2] وتأمل الكلام العلمي للفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب21/ 142:
" ثبتَ بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك .. ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود. وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: " تَغْرُبُ فِيْ عَيْنٍ حَمِئَةٍ " من وجوه .. أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات، وجد الشمس كأنها تغرب في عينٍ وهدةٍ مظلمةٍ ـ وإن لم تكن كذلك في الحقيقة ـ كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر .. قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة، وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفاً قمرياً فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: "حصل هذا الكسوف في أول الليل"، ورأينا المشرقيين قالوا: "حصل في أول النهار"، فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد، ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث، ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس. وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار، وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين، وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة ".
¥