تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إما بالعبادة كالجهر و الاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه و بين الذكر المشروع بوناً بعيداً إذ هما كالمضادين عادة، و كالذين حكى عنهم ابن وضاح عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: ((مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه و هو يقول: سبحوا عشرا و هللوا عشرا، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أو أضل؟ بل هذا ((يعني أضل)))).

و في رواية عنه: أن رجلاً كان يجمع الناس فيقول: رحمه الله من قال كذا و كذا مرة ((الحمد لله)). قال فمر بهم عبد الله بن مسعود فقال لهم: ((هديتم لما لم يهد نبيكم، و إنكم لتمسكون بذنب ضلالة) و ذكر لهم أن ناساً بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم و قد كوم كل رجل بين يديه كوماً من حصى قال: فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد و يقول: ((لقد أحدثتم بدعة و ظلماً و كأنكم فقتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علما)))) انتهى.

تعليق: و قد روى هذا الحديث عن ابن مسعود من طرق كثيرة بعبارات مختلفة لفظاً و متفقة معنى، بعض الروايات مطول و بعضها مختصر و فيه فوائد:

الأولى: هذا الحديث موقوف و لكنه في حكم المرفوع، لأن ابن مسعود صرح بأن ذلك مخالف لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي بعض الروايات: ((و يحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هذه ثيابه لم تبل، و أوانيه لم تكسر، و نساؤه شواب، و قد أحدثتم ما أحدثتم))، و في رواية أخرى أن عبد الله بن مسعود لما طردهم من مسجد الكوفة و رماهم بالحصباء، خرجوا إلى ظاهر الكوفة و بنوا مسجداً و أخذوا يعملون ذلك العمل، فأمر عبد الله بن مسعود بهدمه فهدم.

الثانية: أن البدعة و إن كانت إضافية شر من المعاصي كما حققه أبو إسحاق الشاطبي فهي حرام، إنما كانت شراً من المعاصي لأن المعصية يفعلها صاحبها و هو معترف بذنبه فيرجى له أن يتوب منها.

الثالثة: أن المبتدع يستحق العقاب و الطرد من المسجد إن كان الابتداع فيه.

الرابعة: أن كل مسجد بني على قبر أو بني لارتكاب البدع فيه يجب هدمه؛ لأنه مثل مسجد الضرار الذي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهدمه و إحراقه، فهدمه أصحابه و جعل كناسة ترمي في الجيف، و قد نقل غير واحد عن ابن حجر الهيثمي أنه قال: ((إن هذه المساجد المبنية على القبور هي أحق بالهدم من مسجد الضرار))، و ابن حجر هذا كان مبتدعاً ضالاً و لكنه في هذه المسألة قال الحق، و الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها.

أما الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني فهو إمام محقق لم يشرح أحد صحيح البخاري مثل شرحه المسمى بـ ((فتح الباري)) و لذلك قال العلماء: ((لا هجرة بعد الفتح)). أي لا شرح للبخاري يستحق الاعتبار بعد فتح الباري، ثم قال أبو إسحاق عاطفاً على البدع المنكرة: ((و من أمثلة ذلك أيضاً: قراءة القرآن على صوت واحد، فإن تلك الهيئة زائدة على مشروعية القراءة، و كذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الرواية)) انتهى.

قال محمد تقي الدين: و العجب من هؤلاء المشركين المبتدعين الضلال، فإنهم يتلونون تلون الحرباء لا يستقرون على حال أبداً، فتارة يدعون أنهم مقلدون لمالك، و يرون من خالف مذهبه كمن خالف القرآن و السنة الثابتة المحكمة، و يغلون في ذلك إلى أن يجعلوا البسملة و التعوذ و قراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية و الجهر بالتأمين و وضع اليمنى على اليسرى و رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه و بعد القيام من التشهد الأول، و السلام تسليمتين (السلام عليكم و رحمة الله و بركاته) و ما أشبه ذلك من السنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التي يراها من له أدنى إلمام بالفقه في الدين كالشمس في رابعة النهار كأنه يشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلها لا يشك في ذلك و لا يرتاب فيه، يجعلون ذلك من المنكرات التي يجب أن تغير، و يكتب فيها من بلد إلى بلد مع أن مالكاً في الحقيقة قائل ببعضها تفصيلاً و بسائرها إجمالاً، ثم يخالفون فيما ينهى عنه و يكرهه كراهة تحريم من البدع التي لا تسند إلى أي دليل كعبادة القبور و زيارتها زيارة بدعية، و قراءة القرآن على الميت بعد موته و على قبره، و قراءة القرآن جماعة بصوت واحد، و قراءة الأذكار و الأوراد كذلك، و قد صرح بذلك خليل الذي يعدون مختصره قرآناً يتلى غلواً منهم و ضلالاً.

قال في مختصره عاطفاً على المكروهات: ((و جهر بها في مسجد كجماعة))، و لا يبالون بخلافه فيما اعتادوه من البدع، فيحلونه عاماً و يحرمونه عاماً، و ما أحسن قوله تعالى في سورة القصص يخاطب رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله. إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (1).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير