تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

6 ـ إذا ورد في الخبر مبالغات مخالفة لما اعتاده الناس من أحوالهم، ولا تكاد تصدق، فإنه يتوقف في قبولها، وهذا يكثر في أخبار المتصوفة.

7 ـ إذا ورد في الأخبار ما يخالف ما اتفقت عليه الشرائع؛ ككشف الغيب لبعض الناس، وهو مما اختص الله به، وذلك يكثر في تراجم المتصوفة.

ومن ذلك ما ذكره العيدروس في كتابه أنوار السافر، قال: (( ... وحكى لي حفظه الله وأبقاه والإشارة بذلك إلى المجد المذكور. إنه دخل في بعض السنين مدينة قم فسمعت بأن كتبا تعرض للبيع فذهبت إلى بيت صاحبها فأدخلني وأحضر الكتب بين يدي ومددت يدي إلى كتاب منها وفتحته فإذا هو بخط أبي فقلت هذا خط والدي فقال: ما أسم والدك؟ فقلت يعقوب بن إبراهيم الفيروز أبادي. قال فقام الرجل إلي وقبل راسي وقال: صدقت كأن جاءني والدك في بعض السنين إلى غار من مغارات هذا الجبل وأنا من قطع إلى الله فيه للعبادة فأقام عندي أياما ونسخ لي هذا الكتاب فيه وكان يخدمني ويتعبد معي فاتفق في بعض الأيام أن قلت له: يا شيخ يعقوب ما ترى ننزل إلى المدينة فندخل الحمام ونتنظف فقال: الأمر إليك في ذلك فنزلنا فلما دخلنا الحمام قلت له هات ظهرك لأحكه فامتنع علي وقال: أنا أولى بخدمتك فلازمته على ذلك وهو يتمنع فرأيت الحيلة في ذلك إن قلت له لتصل بركة يدي إلى ظهرك فهنالك أعطاني ظهره فسمعت حسك في ظهره فقلت له: يا يعقوب في ظهرك أولاد فقال ما يدريك قلت أحسست بهم قال كم هم قلت أربعة قال: سمهم فقلت على الفور محمد ويوسف وعلي وحسن قال ثم: فارقني وفارقته فمن أنت منهم؟ قال شيخنا مجد الدين أنا محمد قال: هل لك أخوة فقلت نعم كما ذكرت يوسف وعلي وحسن قال وكلهم في الحياة قلت لا توفي علي وحسن فقال: الحمد لله فتعجبت من كشفه ومن غريب الاتفاق قال: واسم هذا الرجل أيضا مجد الدين وهو من عباد الله الصالحين أنتهى. قلت: وقريب من هذا أن ابن شيخ ابن الشيخ عبد الله العيدروس تمن. فقال: ما أريد إلى البركة والدعاء لي بذرية صالحة فقال له: يا عبد الله سيلد لك من الأولاد الذكور فلان وفلان وفلان وسماهم أبو بكر وشيخ وحسين وكان إذ ذاك جدي لم يتزوج بعد ثم خرج إلى حضرموت بعد وفاة عمه المشار إليه وتزوج بها أمرأة فولدت له أولادا كما ذكر وسماهم بتلك الأسماء التي سماهم بها الشيخ ثم ولد له بعد الثلاثة ولد سماه محمدا. أخبرني بهذه الحكاية الثقة سالم بن علي باموجه رحمه الله وقد سمعها من سيدي الوالد قدس الله روحه بلفظ قريب من هذا)). كتاب (النور السافر في إخبار القرن العاشر)،لعبد القادر العيدروس، وهو مليئ بمثل هذه الأخبار.

8 ـ كل ما لا يقوم به علم يجوز نقله وحكايته، وإن كان القارئ يجزم بأن هذه الحادثة لم تقع لفلان؛ لأن المراد معنى الخبر وحكايته، وليس نسبة الحدث لمن ذُكِرُوا في الخبر، ويكثر هذا في كتب الأدب، وهي تتفاوت في ضبط الأخبار، فكلما كان الكتاب متقدمًا كان أكثر ضبطًا من المتأخر؛ لقربه من الحدث، وكثيرًا ما يقع ذكر قصة واحده لرجلين مختلفين، وتكاد تجزم بوقوع اللبس في نقل أحد الكتابين.

ومن ذلك ما رواه الطبري في التاريخ بسنده، قال: ((حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو عبيدة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبدالملك بن عمير، قال:

لما ثَقُلَ معاوية، وحدَّث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني إثمداً، وأوسعوا رأسي دهنًا، ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مُهِّدَ له، فجلس، وقال: أسدوني، ثم قال: ائذنوا للناس، فليسلموا قياما، ولا يجلس أحد. فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما، فيراه مكتحلاً مدهنًا، فيقول: يقول الناس هو لمآبه، وهو أصح الناس.

فلما خرجوا من عنده قال معاوية:

وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

قال: وكان به النفاثات، فمات من يومه ذلك)).

ثم تجد هذه الرواية في (مرآة الجنان وعبرة اليقظان، أبي محمد عبدالله بن أسعد بن علي اليمني المعروف باليافعي) بهذا النص: (( ... ما يحكى أن معاوية بن أبي سفيان لما اشتد مرض موته وحصل اليأس منه = دخل عليه بعض ذرية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يعوده، فوجده قد استند جالساً متجلداً، ثم ضعف عن القعود فاضطجع، وأنشد:

وتجلدي للشامتين أريهم ** * أني لريب الدهر لا أتضعضع

فأنشد العلوي عند ذلك:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

فتعجب الحاضرون من جوابه)).

تامل الفرق بين النصين، وانظر كيف انحرف الثاني عن الأول، وصارت فيه زيادات لا يخفى على لبيب كيف دخلت!

وإذا أردت أن تستفيد من هذه الرواية في موعظة أو حكمة أو غير ذلك، فإنك لو لم تذكر معاوية، وجعلت بدلاً عنه عبارة (أحد الملوك) لكفى في إيصال ما تريد.

لكن لو كنت تترجم لمعاوية، وتريد أن تذكر هذا الخبر، فلا شكَّ أن ما رواه الطبري هو المقدَّم، بخلاف رواية من جاء بعده لما فيها من الزيادات التي لا تخفى، وهي تحمل تحت طياتها إشارة إلى خلاف تاريخي لا يحسن ذكره بمثل هذه الأخبار المرسلة، بل لا بد من صحة الخبر في ذلك.

وبعد، فهذه بعض اللفتات في قضية قبول الأخبار أو ردها، وهي تحتاج إلى بحث متوسع، لكني اكتفي بذكر هذه القضايا مع أمثلتها لعل غيري يتحفنا بمزيد بحث ونقد لهذه الفكرة.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير