تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومن آيات سورة الأنفال التي تحدثت عن الصبر بجملة اسمية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (65)

الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)، وعد الله المؤمنين أن يغلب الواحد الإثنين، ولكن هذا الوعد قُيِّد بالصبر، ثم ختمت الآية بما يثبت معية الله للصابرين.

وأيضاً هذه الآية نفيد منها عاملاً آخر من عوامل النصر، وهو:

* التعبئة النفسية والتحريض: وهي من أهم مهمات القيادة الواعية، وهذا التحريض قد يكون له أكثر من شكل: كنزع الخوف من قلوب المقاتلين، وأنهم قادرون على قتال ضِعف عددهم.

* وتذكيرهم بمعية الله تعالى، والتوكل عليه: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) / إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)، ودور القيادة يكمن هنا في التعبئة النفسية للجنود ضد محاولات الأعداء، وإعدادهم إعداداً نفسياً: "حتى لا تصل الأمة إلى اليأس الذي يريد عدوها أن تصل إليه، والإعداد النفسي أن يشعر كل فرد مسلم يعيش فترة التأهب للجهاد، وأنه يقول كما قال آباؤه وأجداده من قبل حينما قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل". [خماسيات مختارة، أ. د. فضل عباس، ص315].

وقد جمع صاحب المنار الآيات التي تثبت معية الله للمؤمنين، فقال: "وفي معناها ـ (يقصد آية12) ـ قوله تعالى في بيان أن كثرة العُدَد وحدها لا تقتضي النصر في الحرب، بل هناك قوة معنوية إلهية قد ينصر بها الفئة القليلة على الكثيرة: "وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) وقوله عز وجل بعد الأمر بأسباب النصر المعنوية كالثبات في القتال وذكره وطاعته وطاعة رسوله والنهي عن التنازع: " وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) "، ومثله قوله بعد جعل المؤمنين حقيقين بالنصر على عشرة أضعافهم من المشركين في حال القوة والعزيمة، وعلى مثليهم في حال الضعف والرخصة بشروطه: "وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) " " [المنار: (119:10)] (ملاحظة: الآية الأخيرة التي ذكرها تنسجم مع نفيه النسخ عن هذه الآية، وهو بهذا يخالف الجمهور في إثبات نسخها).

أقول: ومن الملاحظ أن هذه الجمل التي تثبت معية الله للمؤمنين، جاءت على شكل جمل اسمية، تفيد الثبات والدوام، ومُصّدَّرة بحرف التوكيد (إنّ) إلا الآية الأخيرة، وذلك للتأكيد على هذا المعنى وتقريره، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد، فهو المتصف بالقدرة والقوة، وهذا خيط بارز كذلك في السورة، وهو التذكير بصفات الله تعالى التي تقتضي أن من يتصف بها قادر على منح النصر لمن أراد، وتسيير المعركة كما يشاء، وليس بينه وبين ما يريد حائل: إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) / فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) / إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) / وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67).

"فهو تعالى بمقتضى عزته وحكمته عند إيمانهم به وتوكلهم عليه يكفيهم ما أهمهم، وينصرهم على أعدائهم، وإنْ كثر عددهم وعظُم استعدادهم، لأنه عزيز غالب على أمره، حكيم يضع كل أمر موضعه، على ما جرى عليه النظام والتقدير في سننه، ومنه نصر الحق على الباطل، بل كثيراً ما تدخل عنايته بالمتوكلين عليه باب الآيات وخوارق العادات، كما حصل في غزوة بدر، وآيات الله لا نهاية لها". [المنار: (31:10)].

إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) / وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42): تذكير بأن الله عز وجل سميع لدعاء المؤمنين واستغاثتهم، فيؤيدهم بالنصر والغلبة.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير