تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ويترتب على هذين المبدأين أنه لا يتكرر اسم الجنس فى عالم الحيوان أبداً، وأنه لا يتكرر البتَّةَ اسم النوع فى الجنس الواحد. ومشاكل ترادف الأسماء وتطابقها من أعقد مشاكل المصنِّفين.

... والتحديد العلمى الدقيق لمدلولات الأسماء كثيراً ما تكون له أوجه كثيرة من الأهمية. فمثلا، ما هى "السَّلْوَى" التى أنزلها الله على بنى إسرائيل فى التيه بين مصر والشام؟ أرجحُ أقوال المفسرين إن السلوى هى الطيور المعروفة بالسُّمَانَى. وهذا هو ما يراه القزوينى فى "عجائب المخلوقات" وواضعو "قاموس الكتاب المقدس" أيضا. أما الدَّميرى فقد نقل فى موسوعته البديعة عن ابن سيده:"السلوى: طائر أبيض مثل السُّمانى…". وذكر المعلوف، فى معجمه القيِّم عن الحيوان، أن "السلوى" التى تكلم عنها الدميرى طائر آخر، لعله الواقُ الصغير الذى يسمَّى "السلوى" فى حلب، أو الصِّفْرِد الذى يسمَّى أيضا "السلوى" فى لبنان. ولكن هذا التشكك الذى أثاره الدَّميرى قد تسرب إلى "معجم ألفاظ القرآن الكريم" لمجمعنا، الذى جاء فيه أن السلوى "طائر يشبه السُّمانى". وهناك من الدلائل القوية ما يرجِّح أن سُمانى بنى إسرائيل هى النوع المعروف باسم "السُّمانَى" Coturnix coturnix .

... وكلما فكرتُ فى الأسماء العربية للحيوان تطوف بذاكرتى قصة طريفة مشهورة عن أبى العلاء، فلما أردت توثيقها خفَّ إلى نجدتى أخى الكريم الدكتور محمد يوسف حسن، حبيبُ أبى العلاء، فأمدنى بكتاب أحمد تيمور باشا عن أبى العلاء، الذى قدَّم له المجمعىّ العلامة الدكتور بدوى طبانة، فوجدت فيه الخبر اليقين. وذلك أن عبقرىَّ المعرَّة دخل على مجلس الشريف أبى القاسم المرتَضَى، وهو ببغداد، فلما تقدم عَثَرَتْ قدمه بأحد الجالسين، فصاح الرجل الصَّلِف: من هذا الكلب؟

ولم يكن هذا الرجل - الذى نسى التاريخ اسمه - سيِّئَ الخلق فحسب، بل إنه كان سيئ الحظ أيضا، فإن عثرة لسانه كانت أضرَّ به من عثرة قدم أبى العلاء، الذى ردَّ عليه فى ثقة واعتداد بالنفس: الكلبُ من لا يعرف للكلب سبعين اسما! فأُفحم الرجل وسُقِط فى يده. وسمع المرتضَى ردَّ أبى العلاء فأدناه واختبره، ولما وجده عالما فطنا ذكيا، أقبل عليه إقبالا كثيرا. ولا تحكى القصة أن أبا العلاء ذكر أسماءَ الكلب السبعين فى ذلك المجلس، ولكن هذه السُّبَّةَ ظلت قائمة، على أية حال. وتصدَّى لهذا التحدِّى "بلدياتى" جلال الدين السّيوطى، بعد ذلك بأكثر من أربعة قرون، فألف أرجوزة أسماها "التبرِّى من معرَّة المعرِّى" تضمنت سبعين اسما للكلب، وأوردها أحمد تيمور فى كتابه وشرحها، بعد أن رجع إلى القاموس واللسان والمخصص وحيوان الجاحظ، وحياة الحيوان الكبرى للدَّميرى وغيرها، ثم استدرك عليها.

وقد فحصت هذه الأسماء فوجدتُ منها ما يصف الكلاب ببعض ألوانها، كالباقع والأبقع والأعنق؛ أو وفقا لأحجامها، كالعُرْبُج والفُرنىّ للضخام، والقُطرُب أو القَطرَب للضئال؛ أو بعضِ خصائصها، كالدِّرباس للعَقور والعوَّاء والصُّمات؛ أو نسبةً إلى بلد، كالسَّلوقى والنَّصيبىّ؛ ومنها أيضا الدِّرسُ (مثلثة الدال) والجِرو (مثلثة الجيم) لأولاد الكلاب. وفى القائمة أسماء لهجائنَ حقيقية أو متوهَّمة بين الكلب والذئب والثعلب بل والدُّب أيضا، كالسِّمع والدَّيسم. بل إن فيها أيضا: الهراكلة والقندس والقُضاعة، وهى لواحم تعرف فى العربية بكلاب الماء، ليست من جنس الكلب Canis ، بل ولا حتى من فصيلته Canidae ، وإنما هى من فصيلة السراعيب أو بنات عِرْس Mustelidae. وتضم القائمة أيضا خمسة عشر اسما لبنات آوى jackals ، وهى بضعة أنواع من جنس الكلب، ولكنها ليست من الكلاب أو الذئاب. وقد زاد أحمد تيمور على قائمة السيوطىّ خمسةً وثلاثين اسما للكلاب وبنات آوى وأولادهما وكُنى ذكورها وإناثها، وأكثرَ من عشرين عَلَما لكلاب مشهورة فى كتب التراث.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير