تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

هذا الأصل العظيم لو قدر حق قدره لكان عصمة من البدعة وسدا لباب الضلالة .. فلو قدرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره، وزكاة نفسه، ورجاحة عقله، لا يتعجل بقول، ولا يبادر برأي، حتى يلقن ب"قل" ... فكيف بمن هم دونه بمثل ما ابتعدت السماء عن الأرض!!! أليس في هذا القضاء المبرم على مناهج الابتداع؟

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ

إذا كانت "قل" قد أشارت إلى مصدر التلقي لهذا الدين فإن تعبير النداء" يا أهل الكتاب" -الذي جاء بعدها مباشرة-قد أشار إلى الشطر الآخر من النبوة وهو الدعوة والتبليغ .. فتم بالإنشائين-بصيغة الأمر وصيغة النداء - الإحاطة بالدين كله: مصدرا وغاية.

وقد تضمن هذا النداء الإشارة إلى منهج الإسلام في الدعوة .. فلو علمنا أن من أهل الكتاب من سب الله سبا قبيحا، ومنهم من فضل على الله العجل، ومنهم من قتل الأنبياء والرسل ... ومع ذلك فقد خوطبوا بألطف خطاب:" يا أهل الكتاب" كما خوطبوا بأحسن الأسماء "يا بني إسرائيل" ..

ولك أن تسجل-هنا-شيئا من إعجاز القرآن البياني:

فقد اشتمل الخطاب على التلطف دون شائبة المجاملة والتملق -مع صعوبة الفصل بين المعنيين في كلام البشر .. -بل لو تدبرنا الندائين لألفينا التلطف الظاهر مبطنا بلوم خفيف وتوبيخ شفيف تقديره:" لا يليق بكم وأنتم أهل الكتاب أن تفعاوا هذا ... ""ولا يناسبكم وأنتم ذرية إسرائيل أن تقولوا ذاك .. "

فلله در هذا الخطاب كيف جمع التلطف والأدب والتودد واللوم والتوبيخ، دون مجاملة فجة من شأنها أن تميع الحقائق، ودون خشونةسمجة من شأنها أن تنفر المدعوين.

وأصول الدعوةكلها- في نظرنا- مبنية على الجمع المتوازن بين الأمرين:"لا مداهنة ولا تنفير .. "وجاء ت عبارة يا أهل الكتاب تطبيقا عمليا لهذه الأصول.

تَعَالَوْاْ:

تحتمل الصيغة أن تكون" فعل أمر" أوأن تكون" اسم فعل أمر"،فعلى الأول سيكون المعنى طلب العلو وترك المكان الأسفل، وعلى الثاني سيكون المعنى طلب الاقتراب وعدم البقاء بعيدا.

قال العلامة الفيومي في المصباح:

"وَتَعَالَ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَالِيَ كَانَ يُنَادِي السَّافِلَ فَيَقُولُ تَعَالَ ثُمَّ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى هَلُمَّ مُطْلَقًا وَسَوَاءٌ كَانَ مَوْضِعُ الْمَدْعُوِّ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ أَوْ مُسَاوِيًا فَهُوَ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى خَاصٍّ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنًى عَامٍّ وَيَتَّصِلُ بِهِ الضَّمَائِرُ بَاقِيًا عَلَى فَتْحِهِ فَيُقَالُ تَعَالَوْا تَعَالَيَا تَعَالَيْنَ وَرُبَّمَا ضُمَّتْ اللَّامُ مَعَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَكُسِرَتْ مَعَ الْمُؤَنَّثَةِ وَبِهِ قَرَأَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا}) لِمُجَانَسَةِ الْوَاوِ."

وتضمنت على كلا المعنيين أصلا عظيما:

"تعالوا" بمعنى" هلموا" أشارت إلى الوضع الاعتباري لهذا الدين:

فهو المركز وغيره الأطرلف.

وهو الوسط وغيره الهوامش ..

ومن ثم فإن الحركة الوحيدة الممكنة هي أن يتجه إليه .. فعلى العالم كله أن يحج إلى الداعي-صلى الله عليه وسلم-وأن يلتفوا حوله ... فالإسلام يؤتى ولا يأتي ...

أقول هذا الكلام وأنا أستحضر ما يسمونه "حوار الأديان" و"الموائد المستديرة" وأتأسف على هجرنا ل"تعالوا"القرآنية: ينبغي دعوة الأديان لا حوارها .. وأقصد بالحوار هنا المعنى الذي يعطيه أصحابه للكلمة فهو عندهم مرادف للمفاوضة، والتخلي عن المركزية، وترك بعض الثوابت التي يمتعض لها الآخرون،و"احترام" كفر من كفر ... !!

كما لا يجوز أن يكون الإسلام ضمن "مائدة مستديرة"يتساوى عليها كل الأضداد لأنه على هذا الوضع لا يمكن أن يقول لغيره"تعالوا".

باختصار تعالوا تضمنت أصل طبيعة العلاقة بين الإسلام وغيره من الملل والنحل.

وعلى معنى طلب الاعتلاء نستشف أصلا آخر:

الإسلام سماء وغيره أرض .... فمن أسلم فقد ارتقى،ومن كفر فقد هوى.

ثم نلاحظ كيف عبر عن الإسلام والتوحيد في هذا المقام بقوله "كلمة" (تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ) والكلمة الطيبة في القرآن موصوفة دائما بالعلو أو متجهة إليه:

- وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة40

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير