تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

والحمد لله فلم يخب أملي، فما هي إلا أيام حتى أتتني رسالة تزف إلي البشرى، وكان ما اختاره الله لنا موافقا لما اطمئنت إليه نفسي، فالآن صار في وسعي أن أنام قرير العين هانيها، خالي البال، سابحا في الأحلام منتظرا بفارغ الصبر مجيء تلك الأيام التي نلتقي فيها أستاذنا الجليل "خالد كبير علال" ـ حفظه الله ـ.

...

وجاءت أيام التسجيل الجامعي فاصطحبت معي صديقي " مصطفى" الذي كان ولا يزال مرشدي ودليلي وخير معين لي ـ فبارك الله فيه ـ فانطلقنا في الصباح الباكر ووجهتنا العاصمة، وما كادت الخيوط الأولى من الصباح تطل حتى كنا في العاصمة ونزلت مِنْ على الحافلة، وخيِّل إلي وكأنني سافرت عبر الزمن لآجد نفسي في الحقبة العثمانية، رغم مظاهر التفرنج والطابع الأوربي الذي يطغى على العاصمة، ووجدتني أردد مقاطع شعرية من إلياذة الجزائر وبدا لي في الأخير أني في حلم سعيد لن أستيقظ منه، لأني استيقظت وهو بعد مستمر لم ينتهي ... "فما أسعدني بك أيتها العاصمة"

ثم ضمتني جدران "المدرسة العليا" العتيقة، بطابعها العثماني، وأخذت هذه المرة أنظر لكل شيء بدهشة الأطفال وانبهارهم وأخذ يتنزل عليَّ بين الحين والآخر البيت والبيتين من الشعر، وصرت أحلق في أجواء المدرسة كالطائر الغرَّاد.

ثم دفعنا للإدارة ملف التسجيل واجتزنا ـ بنجاح ـ الإمتحان الشفوي وتم قبولنا ورجعت إلى الدار حاملا بطاقة الطالب والفرحة تغمرني.

...

ثم أقبلت أيام الدخول الجامعي وكان أن صادَفت دخول شهر رمضان، فاحترت بين أن أصوم مع الأهل، وبين أن أصوم في الجامعة، ورأيت أنه يحسن بي أن أصوم بضعة أيَّام مع الأهل وبضعة في الجامعة، فسافرت للدراسة تاركا الأهل والأصحاب والجلسات والسهرات التي أدمنتها إلى عالم جديد ليس لي فيه أهل ولا صاحب ولا خليل، استيقظت باكرا ذلك اليوم وركبت الحافلة، وهذه المرة كنت وحدي بعد أن ألفت اصطحاب صديق "مصطفى" ووصلت العاصمة وتوجهت مباشرة إلى "المدرسة العليا" وكان أن تفاجأت حين وجدتها شبه خالية إلا من الموظفين وبعض الأساتذة، فأصبت بصدمة عنيفة وبشيء من الإحباط وخيبة الأمل، بعد أن تصورت أني سأجدها عامرة بالطلبة والباحثين، ورغم هذا أخذت أتعرف على أركان المدرسة، توجهت إلى عدة قاعات، فوجدت قاعات مرقمة وقاعات تحمل اسم شخصيات تاريخية، تعرفت على قسم التاريخ والجغرافيا، وعلى سائر الأقسام الأخرى، كما تعرفت على المكتبة، وقاعة المطالعة، والنادي والمطعم، وبعد هذه الجولة السريعة دوَّنت في كراستي البرنامج الأسبوعي ـ التوقيت ـ وتوجهت إلى المكتبة لأجدها هي الأخرى مهجورة خالية من روَّادها، غير إني سعدت هذه المرة بكونها فارغة ليتسنى لي تصفح الفهارس والإطلاع على ما فيها من الكتب دون أن يزاحمني أحد من الطلبة، وكان أن بحثت أول ما بحثت عن كتب الدكتور "خالد كبير علال" التي حدَّثني صديقي عنها، فوجدت له عنوانين الأول حول تاريخ أهل السنة في بغداد، والثاني عن قضية التحكيم في موقعة صفين، وكان أن شد انتباهي هذا العنوان الأخير، إذ أن القضية التي يتناولها حساسة للغاية زلَّت فيها أقدام وضلت فيها أقوام، وغمرني الفضول لقراءة هذه الدراسة لأتعرف على وجهة نظر الأستاذ، وربما لم يكن حينها يسمح بإعارة الكتب مما حذا بي إلى البحث عنه في المكتبات العامة لاقتنائه، فبحثت طويلا ولكن دون جدوى، وبدا لي وكأن نسخ هذا الكتاب قد نفدت، ولكن الله وفقني إلى أحد المكتبات المتواضعة في ساحة الشهداء قرب مسجد كتشاوة لأكتشف فيها كتابا آخر للدكتور "علال" كان حول الثورة على الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ وبدا لي أني أطرق الآن أرضا بِكرًا لم أطأها من قبل، أقرأ موضوعا كان محظورا عليَّ من قبل، بل كنت أتحاشاه، خشيت أن أسيء الأدب مع صحابي جليل من غير قصد، ولكن أدركت بعد ذلك أن الكثير من الباحثين والكثير من طوائف المسلمين، تقرأ حوادث الفتنة الكبرى بصورة مشوَّهة، بعيدا عن الحقيقة والواقع والموضوعية، مما جعلها منفذا خطيرا من منافذ الطعن في الإسلام، وذلك بالطعن في الصحابة الذين هم نقلة هذا الدين، وهذا ما يستدعي من الباحثين والمؤرخين المنصفين اعادة تسجيل تلك الحوادث بصورة موضوعية منصفة، وهذا ما فعله أستاذنا "خالد كبير علال" مشكورا.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير