تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[ركن التذوق: جمالية الشعر العربي.]

ـ[أبو عبد المعز]ــــــــ[08 - 12 - 07, 08:55 م]ـ

السلام عليكم ورحمة الله ..

تصفحت في منتدانا هذا باقة زاهية من اختيار الأفاضل من بديع الشعر وبليغ الكلام .. وكنت أحب لو كشف المختار عن سر اختياره فيورد البيت والبيتين مع تذييل يكون شيئا مثل التفكير المسموع ...

أقول تفكير مسموع لنراوغ أعراف الشرح وقواعد النقد الأدبي وصرامة المنهج ... هو محض استرسال حر مع فكرة أو صورة البيت الشعري ليس إلا!

أو هو رجع مكتوب للصدى الذي تركته عبارة الشاعر في وعي المتلقي ... (كما يقول الظاهراتيون)

1 - هل تذوقت " شيخ المعرة"قط!

فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل

إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... و عير قساً بالفهاهة باقل

وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل

هي رؤية معرية لعالم "متفسخ"،وعرض حاد لاستشراء التفسخ على أكثر من واجهة:

1 - تفسخ في صورته العضوية/

حين يتنكر الشلو للشلو، والجارحة للجارحة ... فما أقسى أن لا يبالي المنكب بالعضد، وأن لا تشعر الأنامل بالزند ...

كأني بشيخ المعرة يرتاد هنا حالة قصوى:

فما أوثق عرى العضد والمنكب:لحم واحد وعصب واحد فما رجع الدم إلى المنكب إلا وقد مر من العضد .. وما وصل النسغ إلى العضد إلا وقد سمح المنكب بالعبور ... ومع ذلك فما أشد البرودة بين جزئي الكيان الواحد!

يغيب العضد فما يذرف عليه أخوه المنكب دمعة واحدة!

يموت الزند فلا تبالي بموته الأنامل!

أي جسم هذا!

لقد تفسخ وانحل حتى ليصبح فيه الشقيقان المتجاوران كأن بينهما أمدا بعيدا ... !

2 - تفسخ في صورته الثقافية/

تفسخ عالم المعري وانقلب انقلابا ...

لا يوازي حدة ذلك الانحلال العضوي إلا حدة انقلاب القيم وتضبب الرمزية الاجتماعية ... وكأني بشيخ المعرة ينسج كوميديا سوداء ... ينبري فيها "مادر"ليتهم بالبخل .. لكن من؟ حاتم الطائي! ويعير "باقل" بالفهاهة .. لكن من؟ ابن ساعدة!

"أبلغ من قُسّ، أنطق من قسّ، أدْهى من قس" ... كذبت العرب وما أنصفت .. وإلا ما تركوا لباقل ولبيهس ولهبنقة ولصاحب ضأن ثمانين!!

وقد يطوف طائف التردد على القاريء فيحتار:

أي الصورتين أوغل في القسوة والمفارقة، تنكر الأنامل للزناد الذي يحملها أم هذا المسخ في القيم فيتسلق "مادر" الصدارة في الناس ل"كرمه"، وينكمش "أخو طي "في الحثالة ل"بخله"!!

كيفما كان الحكم .. فلا ريب أن الصورة الاولى أدعى للبكاء والرثاء، وأن الصورة الثانية أدعى للتسلية والضحك .. لكنه "ضحك كالبكا "كما في معجز أحمد!

3 - تفسخ في صورته الكونية/

تصعيد .. تلو تصعيد.

تفجرت المأساة محليا وقريبا جدا في جسد الشيخ (في قصة الزند والعضد) ثم امتدت ثقافيا وحضاريا (في قصة مادر وباقل)،فأبى الشيخ إلا أن يصعد المأساة ويصدرها من جسمه وأرضه إلى الأكوان كلها ... فهاهو" السها"- على المدى السحيق- مادر آخر في صورته الفلكية يهجو" الشمس "حاتما آخر في صورته الفلكية .. ثم يتكرر المعنى من خلل "الصبح" و"الدجى"-على مدى أقرب- في ثنائية هي لازمة أسلوبية في المقطع كله:

العضد/المنكب ...... الزند/الانامل.

الطائي/مادر ....... قس/باقل ..

السهى /الشمس ..... الدجى/الصبح.

حيث يتبدى التشابه والتضاد في وآن واحد:

عائلة مؤتلفة من البياض، وعائلة مؤتلفة من السواد .. لكن شيخ المعرة يعمد إلى تفتيت العائلتين إلى شظايا وينظم منها عالما متوترا منسوجا من ثنائيات متقاتلة متقابلة كل عنصر في مواجهة غريمه ..

بياض وسواد في توتر صارخ،

القطب السالب (الذي كان موجبا في غير عالم المعري) المكون من الطائي وقس والشمس والصبح لمواجهة القطب الموجب (الذي كان سالبا في غير عالم المعري) المؤلف من مادر وباقل والسهى والدجى ...

4 - تضاد لا يحتمل ومرارة لا تستساغ ... وكيف يستساغ أن يزهو مادر كالطاووس ويدحر حاتم كالفأر!

لكن لا أمل في إرجاع الأمور إلى رشدها .. فقد امتد الزيف مكتسحا ..

... داخليا وخارجيا ....

.... أرضيا وسماويا ...

فلم يبق من حل إلا الاستنجاد بالموت، الموت الذي سيخرج الوعي من هذا الجو الخانق ...

فيخاطب:"زر"

وكأنه ضيف عزيز متمنع ...

"زر"

موت مشتهى ..

"زر"

موت مدلل ...

مدلل عند شيخ المعرة كما كان مدللا من قبل عند شيخ شيخ المعرة:

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير