تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

جوانب الالتقاء والافتراق

ـ هناك قصص تتناولها المصادر الإسلامية واليهودية، وقد نجد في بعض القصص عناصر مشتركة وفوارق. من واقع دراستك لقصة النبي يوسف عليه السلام، ما أبرز ما لفت انتباهك لجوانب الالتقاء والافتراق بين المصادر الإسلامية واليهودية؟

* قصة يوسف في مصادرها اليهودية والإسلامية زاخرة بأوجه الاتفاق والاختلاف التي ربما لا يتسع المجال لسردها جميعاً. ولعلّ أول ما يلفت الانتباه هو أنّ قصة يوسف عليه السلام في مجملها تنحصر، بحسب الرواية التوراتية والنص القرآني، بين رؤيا يوسف عليه السلام وتحققها. ويتلو ذلك حقيقة أنّ القصة التوراتية منذ بدايتها تحدِّد اتجاهاً واضحاً لها، وهي أنها قصة عائلية، إن صحّ التعبير، وربما يدل على ذلك ما ورد في بداية القصة (سفر التكوين - الإصحاح 37) من إقامة يعقوب في أرض كنعان، ثم ذكر أحوال يوسف واخوته كامتداد لقصة الأب. كذلك القصّة القرآنية لها إطار واضح ومحدّد منذ بدايتها؛ وهو الإطار الديني. فسورة يوسف تبدأ بإخبار النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه سيُتلى عليه أحسن القصص.

وأبقى في هذا الإطار الديني؛ حيث يمكن بسهولة إدراك التدخل الإلهي في أحداث القصة منذ بدايتها وحتى نهايتها؛ حيث ترد ألفاظ تدلّ على ذلك مثل: (والله عليم بما يعملون) (19) .. (والله غالب على أمره) (21)، إلى غيرها من الآيات التي تدلّ على أنّ القصة كلها تدبير إلهي وتسير بعين الله. هذا التدخل الإلهي ليس له وجود في القصة التوراتية إلاّ بقدر يسير.

الجانب الدرامي في القصة

ـ وماذا عن القصة وخصائصها والجانب الدرامي فيها .. طبقاً للمقارنة؟

* من منظور قرآني نجد أنّ قصة يوسف هي القصة الوحيدة التي أُفردت لها سورة بكاملها دون أية تفرعات عن المشهد الرئيسي، ألا وهو يوسف وحياته المليئة بالعجائب. هذه الوحدة في المشهد والتسلسل، إضافة إلى الترتيب المنطقي الجذاب للأحداث داخل القصة القرآنية يجعلها بحق عملاً درامياً رائعاً اكتملت له جميع الجوانب الفنية.

هذه الوحدة الدرامية غائبة في القصة التوراتية؛ حيث يصطدم القارئ أول ما يقرأ بأنّ يوسف كان ابن سبعة عشر ربيعاً عندما قصّ رؤياه علي أبيه وإخوته. هذا السن الكبير نسبياً بالنسبة لأحداث القصة يجعلنا نفكر كيف أتمّ إخوة يوسف مكيدتهم المعروفة، وكيف لم يتمكن يوسف اليافع من اجتياز تلك المحنة.

كما أن قصة يوسف التوراتية تتوقف لمدة إصحاح كامل (الإصحاح الـ38 من سفر التكوين) بقصة دخيلة على السياق، ثم تتواصل قصة يوسف مرة أخرى في بقية الإصحاحات دون إشارة توراتية أو من قبل المفسرين اليهود لحدوث هذا القطع للقصة.

كما تتفق القصة التوراتية والقرآنية على أمر واحد، وهو أنّ يوسف عليه السلام كان، برحلته الإجبارية إلى مصر، بمثابة الجسر الذي عبر عليه بنو إسرائيل من حياة البداوة إلى حياة الحضر، ومن القحط والجوع إلى أراض غنية خصبة. هذه الحقيقة التاريخية أشار إليها القرآن صراحة على لسان يوسف نفسه في إطار شكره للنعمة الإلهية (وجاء بكم من البدو ... الآية)؛ بينما النصّ التوراتي لا يشير صراحة إلى ذلك، ولكن القارئ يستنتج الأمر من سياق القصة.

مجالات أخرى للمقارنة

ـ وهل هناك مجالات أخرى للمقارنة؟

* أجل، يُلاحظ أيضاً أنّ القصة القرآنية مبنية على عدد محدد من العناصر التي يمكن إجمالها في مجموعات أربع، وهي: الأحلام الثلاثة؛ أي حلم يوسف، وحلم الخباز والساقي كحلم واحد في السياق، وحلم الملك.

ثم المحن الثلاث: مكيدة الإخوة، وإغواء زوج العزيز، ثم محنة السجن. وتعقبها المجموعة الثالثة وهي: القمصان الثلاثة: قميص الذئب، وقميص الغواية، وقميص البشرى (الذي ألقى على وجه يعقوب). أما المجموعة الأخيرة فهي: الرحلات الثلاث: رحلة الاستغاثة (طلب الطعام)، ورحلة بنيامين (طلب بنيامين)، ثم رحلة التعرف (إخوة يوسف على أخيهم).

بلا شك أنّ هذه الهياكل الدرامية تشكل إثراء لمجريات الأحداث داخل القصة وتجعلها مكتملة الجوانب؛ إذا ما وضعنا كل مجموعة من المجموعات سالفة الذكر ضمن سياقاتها.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير