تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[رواية أبي الزبير عن جابر في صحيح مسلم]

ـ[محمد الأمين فضيل]ــــــــ[15 - 08 - 02, 12:05 م]ـ

قال الشيخ سعد الحميد حفظه الله:

بالنسبة لأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس هو كثير الرواية عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وله في صحيح مسلم عدة أحاديث يرويها عن جابر بالعنعنة يعني يقول عن جابر ولا يقول سمعت جابرا أو حدثنا أو نحو ذلك من العبارات المصرحة بتلقيه ذلك الحديث عن شيخه جابر.

و محمد بن مسلم بن تدرس هذا وصف بالتدليس واستند في ذلك على رواية الليث بن سعد حينما تلقى أحاديث من أبي الزبير ثم سأله فقال: هذه الأحاديث سمعتها كلها من جابر؟ فقال: لا منه ما سمعت ومنه ما حدثت عنه. فقال له: أعلم لي يعني أشر لي في الكتاب الذي كتبه واستنسخه منه أعلم لي على الذي سمعت فأعلم له على بعض الأحاديث قال الليث فهي التي أرويها.

هذه الحكاية من الليث بن سعد وهو إمام من الأئمة بلا شك أنها صريحة في أن أبا الزبير مدلس واستند عليها من استند مثل النسائي فوصفه بالتدليس ومن جاء بعد ذلك مثل الذهبي وابن حجر وغيرهم كلهم وصفوا أبا الزبير بالتدليس وبعضهم بالغ مثل ابن القطان الفاسي وكذلك ابن حزم في رد حتى أحاديث في صحيح مسلم لم يصرح فيها أبو الزبير بالتحديث.

خلاصة ما فصلوا فيه قالوا: رواية أبي الزبير مقبولة إذا صرح بالسماع وإن لم يصرح بالسماع فإنها مردودة إلا إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه فإن أحاديث الليث بن سعد عن أبي الزبير مسموعة.وما عدا ذلك فنرد أحاديث أبي الزبير إذا لم يصرح فيها بالسماع.

هل الكلام هذا ينطبق على ما في صحيح مسلم؟ بعضهم عمم الحكم مثل ابن القطان وأظن ابن حزم كذلك أيضا. وبعضهم قال لا بل ما في صحيح مسلم لا يتعرض له وما كان في خارج صحيح مسلم فهو الذي يمكن أن ينقد بهذا النحو.

وفي رأيي أن هذا الرأي هو أعدل وأوسط الأقوال ليس كالقول الذي يهدر حكاية الليث بن سعد ويقول أبدا أبو الزبير غير مدلس فهذا فيه إهدار لكلام إمام من الأئمة ولاعتماد أئمة آخرين عليه كالنسائي وغير النسائي.

كما أن التعرض للأحاديث التي في صحيح مسلم ليس بلائق والسبب أننا نجد مسلما رحمه الله من الأئمة الذين لهم معرفة تامة بعلل الأحاديث واختار هذه الأحاديث وتجنب أحاديث أخرى لأبي الزبير فلماذا يا ترى أعرض عن تلك الأحاديث التي لأبي الزبير وهي بأسانيد صحيحة إلى أبي الزبير ولم يخرجها في صحيحه دل هذا على أنه انتقى بعض الأحاديث التي تحقق لديه وتأكد لديه بأنها من صحيح حديث أبي الزبير. هذا أمر.

الأمر الآخر أن مسلما رحمه الله صنع مثل صنيع البخاري في عرضه كتابه على أئمة عصره فإنه عرض هذا الكتاب الذي هو الصحيح على شيخه ابن واره وعلى أبي زرعة أيضا وعلى أئمة آخرين في عصره فهذا العرض منه جعله ينظر إلى تلك الأحاديث التي نقدوها مثل أحاديث نقدها أبو زرعة الرازي فأبعدها مسلم من صحيحه إذا دل هذا على أن هذه الأحاديث المبقاة في صحيح مسلم مما أقره أبو زرعة الرازي وهو إمام على تصحيحها ..

ثم إننا نجد أيضا أن هذه الأحاديث التي من رواية أبي الزبير في صحيح مسلم تعقب الدارقطني مسلما في كتابه كله واجتنب نقد هذه الأحاديث ولم ينقد الدارقطني الأحاديث التي من رواية أبي الزبير سوى حديث واحد فقط فهل يا ترى نقده عليه بسبب التدليس الجواب لا. وإنما نقده عليه لأن أب الزبير شك في الحديث هل هو مرفوع أو لا؟ فجاء به على الظن والتخمين فيقول أحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذن الدارقطني نقد مسلما على إيراد هذا الحديث في الصحيح مع العلم أن راويه الذي هو أبو الزبير لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم تجنب الدارقطني نقد تلك الأحاديث التي رواها أبو الزبير والدارقطني إمام وكتابه العلل أكبر شاهد على إمامته في هذا الشأن فلماذا يا ترى لم يتعقب الدارقطني مسلما على هذه الأحاديث؟

كذلك أيضا غير الدارقطني ممن نقد صحيح مسلم وهم أئمة ونسيت أن أتكلم عنهم لكن لعل هذا السؤال فتح لنا بابا ممن نقد صحيح مسلم الدارقطني وابن عمار الشهيد رحمه الله وأبو مسعود الدمشقي وأبو علي الجياني هؤلاء بالذات أربعة أئمة نقدوا بعض الأحاديث التي لها علل من العلل التي اصطلح عليها أئمة الحديث كأن يكون الراجح في الحديث أنه مرسل فيورده مسلم موصولا أو يكون الراجح في الحديث أنه موقوف ويورده مسلم مرفوعا أو يكون فيه زيادة راو أو سقط راو أو نحو ذلك من العلل هذه هي العلل التي يعلون بها وأما هذه العلل الظاهرة عنعنة أبي الزبير عنعنة الأعمش ونحو ذلك من العلل لا يتعرضون لها في صحيح مسلم لتيقنهم أن هذه الأحاديث هي من صحاح أحاديث هؤلاء الرواة

فنجد هؤلاء الأئمة الذين نقدوا صحيح مسلم ما تعرضوا للأحاديث التي رواها أبو الزبير بالعنعنة في صحيح مسلم فلأجل هذا نقول: إن تلك الأحاديث التي من رواية أبي الزبير في صحيح مسلم لا نتعرض لها وأما ما كان في خارج صحيح مسلم فلربما كان فيه شيء من الأحاديث الصحيحة عند أهل العلم العارفين بالعلل ولكن بضاعتنا في العلم قليلة ولم يتحصل لنا ما تحصل لهم من جمع الطرق ومعرفة صواب هذه الرواية من عدمها فلذلك يلجؤنا الأمر والواقع الذي نعيشه إلى أن نقول في هذه الأحاديث إننا نتوقف عن تصحيحها إلا ما ورد التصريح فيه بالسماع فليس عندنا ما عند أولئك الأئمة الفطاحل من المقدرة الحديثية التي تجعلنا نقبل الرواية التي بالعنعنة لتيقننا من أن الراوي أصاب فيها هذه ليست عندنا فلذلك لا نصنع مثل صنيعهم وإنما نلجأ إلى الأخذ بظاهر الرواية.

نقلا عن شريط: مناهج المحدثين العظماء - منهج الإمام مسلم.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير