تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

-لكنهم ما لبثوا أن عادت لهم الكرّة حين ضعفت دولة بني عبيد وقد كان لهم في مقاومتها والصبر على شرّها اليد الطولى , ومن ذلك أنهم وقفوا إلى جانب أبي يزيد الخارجي مخلد بن كداد (صاحب الحمار) , رغم مابينهم وبين منهجه من المخالفة, فعلوا ذلك هرباً من شرّ أعظم نالهم على يد العبيديين , أقله أن منعوا من التدريس والإفتاء , وقد قيل إنّهم قطعوا لسان مؤذن أبى أن يضيف إلى لفظ الأذان الشهادة لعلي 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - - بأنه ولي الله -, وقد ظفروا بالمكانة في عهد يزيد لموقفهم هذا.

- ولما انتقل بنو عبيد إلى مصر وتركوا على إفريقا عمالهم من أبناء (زيري بن مناد الصنهاجي) الذين أقاموا ولا يتهم بالمهدية , وشجع الفقهاء الحكامَ على الاستقلال عن العبيديين , فلمّا أعلن ذلك المعز الصنهاجي أصبحت الدولة مالكية صرفة , ولكنهم لم يتوانوا في الإنتقام من الباطنية الذين بقوا في البلاد , حتى إنّه قتل بكل سني واحد كما قيل.

-ثم إن العبيديين لما انتقلوا إلى مصر سكتوا في أول الأمر عن المالكية , ولعل ذلك كان سياسة منهم للتمكين لحكمهم , في بلد يغلب عليه أهل السنة , فلما كان عهد الحاكم بأمره تتبع المالكية وقتل بعض قضاتهم , وتجددت الأزمة مع بني عبيد في مصر , وممن ناله بعض الأذى الطرطوشي (ت:520) -رحمه الله-ولم تقتصر سياسة العبيديين على اضطهاد المالكية , بل مكّنت النصارى من رقاب المسلمين حتى قال بعضهم كما ذكره المقريزي في الخطط:

إذا حكم النصارى في الفروج ** وغالَوا بالبغال وبالسّروج

وذلت دولة الإسلام طرا ** وصار الأمر في أيدي العلوج

فقل للأعور الدجال هذا ** زمانك إن عزمت على الخروج

على أن الكيد للمخالف قد دفع العبيديين إلى إكرام القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي , وإظهار فضله , نكاية في خصومهم بني العباس في اطراح مثل هذا الإمام الذي هاجر إلى مصر , لما لحقه من شظف العيش في بغداد , ولا أحسب إلاّ أن الفقر كان وراءه سبب آخر يتصل بعلم الشخص , وقد يقال كيف يهاجر القاضي عبد الوهاب من بلد فيه حكم سني إلى بلد يحكمه الرافضة ? والجواب أنه قيل إنه دخل مصر في طريقه إلى الأندلس , ويؤيد ذلك أنه مات أول ما دخلها كما ذكر صاحب الديباج , فلعل العبيديين زيّنوا له الإقامة بمصر للعلّة التي سبق ذكرها, وقد قيل إنه قال قبيل وفاته " لا إله إلا الله لما عشنا متنا "

-وقد ظهرت فيما بعد دولة المرابطين التي كانت مالكية إلى حد التّزمّت , حتى قامت دولة الموحدين كانت على النقيض من ذلك تماماً , فقد كانت معادية للتقليد , غير أنها لم تناصب المالكية العداء , فاستمروا على ماكانوا عليه , إلاّ أنها قد عملت على بعث المذهب الظاهري من جديد بعد أن أحرقت كتب الإمام ابن حزم في حياته جهاراً بإشبيلية , وقد قيل إن المنصور الموحدي ثالث خلفائهم وقف على قبره يتساءل:" عجباً لهذا الموضع يخرج منه مثل هذا العالم " , ثم قال لمرافقيه: كل العلماء عيال على ابن حزم. (راجع ملخص إبطال القياس لابن حزم , مقدمة سعيد الأفغاني)

أمّا الأندلس فكانت من أوائل البلدان التزاماً لمذهب مالك , بسبب وفود علمائها على المدينة , وأخذهم عن مالك العلم , ثم حمل هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان النّاس على نذهب مالك , وصيّر القضاء والفتيا عليه , وذلك في العقد السابع بعد المائة من الهجرة , ومالك ما يزال حياً , بل رافق ذلك فرض العمل برواية ابن القاسم , وقد قام المذهب المالكي هنا على انقاض مذهب الأوزاعي -رحمه الله - وهو من أقران مالك , فانتهى مذهبه في منتصف القرن الثالث , وسجّل التاريخ انتقال بعض العلماء عنه إلى مذهب مالك.

وذكر أبو راس الناصري المعسكري أن أهل الأندلس كانوا على مذهب الأوزاعي إلى أن حجّ أعيانهم وجلسوا في حلقة الإمام مالك بالمدينة (فسألهم?)

عم أمراء بني أمية كيف سيرتهم (فقالوا ?) خيراً , فصار الإمام يثني عليهم بمجلسه , وفشا ذلك عنه (تعريضاً ?) بأعدائهم العباسيين , فلما سمع أمير المؤمنين بالأندلس , وهو هشام بن عبد الرحمن الداخل حمل الناس على مذهب مالك وذلك في نيف وسبعين ومائة (عجائب الأخبار لأبي راس الناصري)

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير