تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

أقوال فرقة المعتزلة في هذه المسألة، بينما اعتصم بكر بن حماد و كثير من أهل القيروان بأقوال أهل السنة والجماعة ورفضوا رأي المعتزلة وتعاليمها، ويروي تلميذه أبو العرب في " كتاب المحن " في باب " أخبار المحنة في خلافة مأمون" بأنه ينقل أخبار وآراء و أقوال علماء السنة عن طريق بكر بن حماد عن شيوخه، و أنقل لكم منها على سبيل المثال قوله (المحن لأبي العرب: 1/ 459): " ... وحدثني بكر بن حماد قال حدثنا موسى بن الحسن قال حضرت أبا نعيم الفضل بن دكين بالكوفة سنة سبع عشرة ومائتين ويحيى بن عبد الحميد الحماني وأحمد بن عبد الله بن يونس في مشائخ من أهل الكوفة عددا فقرأ عليهم ابن أبي العباس والي الكوفة كتاب المأمون في المحنة فقال أبو نعيم أستوجب من قال هذه المقالة أن يصفع في قفاه أبعد مجالسة الثوري ومسعر بن كدام ومالك بن مغول وسليمان الأعمش، لقد شاركت الثوري في نيف أو أربعة عشر من رجاله ممن روى عنهم وجماعة ممن شاهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أكفر بالله؟!.

فقال يحيى بن عبد الحميد الحماني هذا يوم له ما بعده وأنتم بقية هذا العلم باب بين هذه الأمة وبين بنيها هذا الكفر بالله لا نسمعه ولا نقر به ... ".

محنة مقتل ابنه أبو بكر:

هرب بكر بن حماد من القيروان فارا بدينه و حياته وكان يرافقه في رحلته ابنه أبو بكر، وفي الطريق إلى موطنه وعلى مقربة من تيهرت تعرض لهما اللصوص، فهاجموهما لكنهما دافعا عن نفسيهما و لكن اللصوص تغلبوا عليهما، فأصيب بكر بن حماد بجراحات بليغة وقُتِلَ ابنه أمام عينيه في منظر مفجع عام295هـ، كما سلب اللصوص كل ما وجدوه من مال و متاع، قد وتركت هذه الحادثة أثرًا بالغاً في نفس مترجمنا ظل يمزق أحشاءه عامًا كاملاً،وظل على هذه المعاناة حتى توفاه أجله في سنة 296هـ.

وقد رثاه بقصيدة مؤثرة و حزينة تعد من عيون الشعر العربي في الرثاء وهذه بعض أبيات القصيدة التي رثى بها ابنه:

بكيت على الأحبة إذ تولوا ... و لو أني هلكت بكوا عليَّا

فيا نسلي بقاؤك كان ذخرا ... وفقدك قد كوى الأكباد كيَّّا

كفى حزنا بأنني منك خلو ... و أنك ميت وبقيت حيَّا

دعوتك بابنيَّ فلم تجبني ... فكانت دعوتي يأسًا عليَّا

ولم أكُ آيسًا فيئست لمَّا ... رميت الترب فوقك من يديَّا

فليت الخلق إذ خلقوا أطالوا ... و ليتك لم تكُ يا بكر شيَّا

تسرُّ بأشهرٍ تمر سراعًا ... و تطوي في لياليهن طيَّا ...

فلا تفرح بدنيا ليس تبقى ... و لا تأسف عليها يا بنيَّا

فقد قطع البقاء غروب شمس ... و مطلعها عليَّ يا أخيَّا

وليس الهم يجلوه نهار ... تدور له الفراقد والثريَّا

عودته الى تيهرت و مجالسه العلمية:

وصل مترجمنا الى تيهرت مكسور الجناح، حزينا، مكلوما، عليلا يعاني آلام الفقد، فاعتزل الناس فترة يداوي فيها جراحاته، ويبث همومه وأحزانه لنفسه المفجوعة بأقرب الناس إليه في قصائد رثاء يخفف بها لواعج نفسه و يبرد فيها حرقة كبده، ووصل خبره و تسامع به أهل تيهرت و علمائها فقصدوه يخففون عنه و يعزونه في فقده ابنه، وطلبوا منه أن يسمعهم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، فأجابهم إلى طلبهم، وعقد مجالس الرواية و السماع، يشرح فيها الحديث الشريف بطريقة بارعة، و يتدرج فيه بأسلوب تعليمي مشوق، و يحلي مجالسه بإنشاده لأبيات شعرية في الزهد و الوعظ، فتسامع به طلاب العلم و محبي الحديث الشريف، فشد إليه طلاب العلم و الشيوخ الرحال من مختلف أقطار المغرب العربي و من الأندلس، فاستفادوا منه و من علمه، فكان مما أملاه و أخذه عنه علماء المغرب و الأندلس حديث مسدد بن مسرهد في عشرة أجزاء كما ذكر ذلك تلميذه الحافظ المحدث قاسم بن أصبغ.

وقد ذكر المحدث أبو الفضل أحمد بن قاسم التاهرتي عن والده لما كان يدرس عند مترجمنا، أنه كان لا يزيده عن أربعة أحاديث في اليوم فقال كما جاء في (التكملة لكتاب الصلة لابن الابار:2/ 81):" ... وكان بكر بن حماد يكتب في كل يوم أربعة أحاديث ويقول لا تأتيني إلا وقد حفظتها، حكى ذلك ابنه أبو الفضل وقرأته بخط أبي عمر بن عبد البر".

شيوخه و أساتذته:

لقي مترجمنا الكثير من أعلام الحديث الشريف، و الأدباء و اللغويين و الشعراء، فحضر مجالسهم و أخذ عنهم و سأقتصر على ذكر أشهرهم:

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير