تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

( ... ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد، والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل.

وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق، وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم، وهذا من أمحل المحال، أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية.

ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له!، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانا، لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود _ الذين عرفوا أن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم _ مؤمنين، وقد قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} أي يعتقدون أنك صادق، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق، وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}، وقال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}، وقال تعالى عن اليهود: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}

وأبلغ من هذا قول النفرين اليهوديين لما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسألاه عما دلهما على نبوته، فقالا: نشهد أنك نبي، فقال: ما يمنعكما من اتباعي؟ قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف أن تقتلنا اليهود.

فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي، ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان، لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره، ومِن هذا كفر أبي طالب، فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق، وأقر بذلك بلسانه وصرّح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام.

فالتصديق إنما يتم بأمرين:

أحدهما: اعتقاد الصدق.

والثاني: محبة القلب وانقياده.

ولهذا قال تعالى لإبراهيم: {يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا}، وإبراهيم كان معتقدا لصدق رؤياه من حين رآها، فإن رؤيا الأنبياء وحي، وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما أمر به، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) فجعل التصديق عمل الفرج لا ما يتمني القلب، والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل.

وقال الحسن: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل)، وقد روي هذا مرفوعا.

والمقصود أنه يمتنع مع التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها، وبالله التوفيق).

لم أذكر فقرة قبل الفقرة الأولى لأنها متعلقة بترك الصلاة فقط لخصوص ما يتعلق بذلك من أدلة، فلا يظن أحد أني حذفتها لغرض آخر، وعموما أنا ذكرت موضع النقل فليراجع تمام كلام ابن القيم هناك.

ـ[أبو خليفة العسيري]ــــــــ[22 - 08 - 03, 06:57 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

أعزائي هذا النقل الخامس عن ابن القيم رحمه الله، والظاهر أنه سيكون واضحا كسابقيه، فلا يحتاج إلى تعقيب من أحد أو ....

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الصلاة وحكم تاركها) / دار ابن كثير (ص50_ 51) تحت عنوان: (فصل: الحكم بين الفريقين، وفصل الخطاب بين الطائفتين):

( .. وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.

والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيّته وإخلاصه، وعمل الجوارح.

فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله.

وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة.

وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة.

فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ويقرون به سرا وجهرا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.

وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم، كما تقدم تقريره، فإنه يلزمه من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان.

فإن الإيمان ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى، ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا، فليس هو التصديق المستلزم للإيمان.

فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته).

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير