ـ[عبدالرحمن الفقيه]ــــــــ[04 - 12 - 07, 04:31 ص]ـ
معنى المأزمين
قال الشيخ الفاضل عبدالعزيز الحميدي حفظه الله ورعاه
ثانياً: الآثار عن التابعين:
1 - عطاء بن أبي رباح رحمه الله:
أ – عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر.
قال: ليس المأزمان مأزماً عرفه من مزدلفة ولكن مفضاهما ... قال عطاء: فإذا أفضت من مأزمي عرفة فأنزل في كل ذلك عن يمين وشمال وأين شئت ...
قلت: أفرأيت عن اعتزلت منازل الناس وذهبت في الجرف الذي عن يمين المقبل من عرفة لست أقرب أحداً؟ قال: لا أكره ذلك.
ب – عن حبيب بن أبي ثابت قال: قيل لعطاء: يعني في الموقف بجمع. فقال: ما فوق بطن محسر. قيل إلى قزح؟ قال: وما وراء ذلك هو المشعر الحرام.
هذان نصان مهمان من هذا الإمام التابعي الجليل مفتي الحرم بمكة في زمنه.
ففي النص الأول بين حدود المزدلفة من الشرق مما يلي عرفات إلى الغرب مما يلي منى. فحدها من مأزمي عرفة شرقاً إلى مُحسر.
والسؤال ما المراد بمأزمي عرفة؟
يظن كثير من الناس وحتى بعض الباحثين أن المأزمين المراد بهما جبلان إثنان. وغرهم في ذلك تثنية الكلمة وقالوا إنهما الجبلان اللذان يسميان الآن الأخشبان تثنية الأخشب. وأنا أعتبر أن هذا الظن هو سبب تضييق حدود مزدلفة بما هي عليه الآن، ولذلك لزم توضيح هذه القضية فنقول وبالله التوفيق:
أولاً: المأزمان ليس المراد بهما جبلان أصلاً لا ما يسمى بالأخشبين ولا غيرهما.
وإنما المأزم في اللغة هو المضيق بين شيئين إما بين جبلين أو بين عدوتي واد، وإنما ثنى لفظاً فقط لوقوعه بين شيئين.
هذا هو الحق وهذا ما نص عليه علماء اللغة ودونك البيان:
في لسان العرب:" والمأزم: المضيق مثل المأزل قاله الأصمعي وأنشد شاهداً لذلك قول أبي مهدية:
هذا طريقٌ يأزم المآزما وعضوات تمشُقٌ اللهازما
والمأزم كل طريق ضيق بين جبلين.
ومنه قول ساعدة بن جوؤية الهذلي:
ومقامهن إذا حُبسن بمأزم ضيق ألف وصدهن الأخشب
أقسم بالبدن التي حبسن بمأزم أي بمضيق.
والمأزم: مضيق الوادي في حزونة.
فثبت بهذا أن المأزم المضيق إما بين جبلين أو بين عدوتي وادٍ فمضيق الوادي يسمى مأزم وربام ثني لفظاً لمكان العدوتين فقيل: المأزمان.
وفي اللسان أيضاً: " ومنه سُمي الموضع الذي بين المشعر وعرفة مأزمين. قال الأصمعي: المأزم في سند مضيقٌ بين جمع وعرفة".
فهذا نص صاحب لسان العرب ونقله عن علامة العرب وديوان الأدب الإمام عبد الملك بن قريب الأصمعي: أن المأزمين إنما هو مضيق فاصل بين جمع وهي المزدلفة وعرفة. وقد عرفنا أن هذا المضيق الفاصل إنما هو وادي عرنة لا غير كما مر في كلام الصحابة السابق.
فثبت أن مراد عطاء وغيره بالمأزمين إنما هو المضيق مضيق الوادي الفاصل بين عرفات ومزدلفة وليس هو من مزدلفة كما أنه ليس من عرفات.
ثانياً:" أن في نص عطاء السابق وغيره إضافة المأزمين إلى عرفة"مأزمي عرفة" وهذه الإضافة لأن المأزمين متصلان بها فصح إضافته إليها ولا متصل بعرفة إلا مضيق الوادي وادي عرنة وهو المأزمان لذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم ليرفعوا عن بطن عرنة لشدة قربه ولصوقه بعرفة فقد يظن الظان أنه منهما.
ثالثاً: مما يؤكد ذلك أنه لو كان المراد بالمأزمين الجبلين المسميين بالأخشبين لكان الأجدر تسميتهما "بمأزمي مزدلفة" لا مأزمي عرفة ذلك لبعدهما عن عرفة والتصاقهما جداً بالمزدلفة، بل إن طرفاهما الغربيان داخل مزدلفة حسب الحدود الحالية.
رابعاً: إن جعل المأزمين هما الجبلان المسميان بالأخشبين وأن حدود مزدلفة تبدأ من مفضاهما وطرفاهما غرباً سيحرم الحجيج من مسافة كبيرة جداً هي من المشعر الحرام قطعاً كما مر وهي مسافة تقدر اليوم بنحو سبعة كيلو متر في بعض الجهات. تبقى هذه المساحة الكبيرة مهدرة ميتة هكذا بلا حجة ولا برهان.
خامساً: ومما يؤكد هذا أن في النص الثاني للإمام عطاء حد حدود مزدلفة من الغرب إلى الشرق فحدها من فوق وادي مُحسر غرباً واتجه شرقاً "فقال له القائل إلى قزح.
فقال: وما وراء ذلك هو المشعر الحرام" فشرقاً تستمر المزدلفة ما دام أننا في الحرم إلى الوادي المضيق الفاصل بين عرفة والمشعر الحرام. والله أعلم.
¥