تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

يقول-جل في علاه-: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر 9. ولفظة (ذكر) بعمومها وشمولها تشمل القران والسنة - متواترة وآحادية, فأنت تقول مثلا: أذكار الصباح والمساء, أذكار اليوم والليلة, أذكار الصلاة .. إلخ. والسنة منزلة بوحي من الله .. , وما ينطق عن الهوى أن هو ألا وحي يوحى -. فجميع ما يصدق عليه ذكر فهو في ضمان الله وحفظه إلى يوم القيامة.

إن أخبار الآحاد المضافة إلى الشارع ليست كسائر الأخبار المضافة إلى غيره؛ لأن أخبار الشارع محفوظة عن الضياع أو الاشتباه بالأخبار المكذوبة عليه، بخلاف أخبار الآحاد عن غيره فإنها قد تضيع وقد تشتبه بالمكذوبة ولا تعلم إلى قيام الساعة.

قال الإمام ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (1/ 117 - 118): قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر 9). وقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (النحل 44).

فصح أن كلام رسول الله (ص) كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل. فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين. وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يُحَرَّف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه, إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذباً وضمانه خائساً .. , وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الذي أتانا به محمد (ص) محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبداً إلى انقضاء الدنيا.

قال تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ (الأنعام 19).

فإذ ذلك كذلك, فبالضرورة نعلم أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء مما قاله رسول الله (ص) في الدين, ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطاً لا يتميز لأحد من الناس بيقين, إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ ولكان قول الله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر 9) كذباً ووعداً مخلفاً وهذا لا يقوله مسلم. اهـ

أدلة منطقية عقلية:

وقد بدأت بها قبل أدلة القران والسنة؛ حتى لا يتم تأويل تلك الأدلة أو الاعتراض والتشغيب عليها بما لا ينفع ولا يشفي- كعادة المتكلمين دائما- , وذلك أفضل في حسم الخلاف والنزاع من جدوره, واجتثاثه من أصله, وحتى يكون بحثنا هذا على أرضية صلبة لا يفلها الحديد. فنحن هنا نناقش فكرة المخالف من أصلها, وهل هي صالحة أم لا. ثم ينبني على هذا الكلام ما يأتي بعد ذلك من أدلة. والحمد لله أولا وآخرا.

1 - القول بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، هو قول–كما يقول العلامة الألباني- في حد ذاته عقيدة، فما هو الدليل على صحته؟! فإما أن يأتوا بالدليل القاطع المتواتر على صحة هذا القول، وإلا فهم متناقضون.

2 - إن دعوى احتمال الشبهة (كل أخبار الآحاد تفيد الظن، لوجود احتمال انقطاعها بأي نوع من أنواع الانقطاع ككذب الراوي أو نسيانه أو خطئه في روايته ... الخ) في صحة اتصال أخبار الآحاد إلى رسول الله هي كدعوى من يدعي أن هذا العام مخصوص ولا مخصص، أو أن هذا الدليل المطلق مقيد ولا مقيد، أو أن هذا الحكم منسوخ ولا وجود لناسخه ونحو ذلك، فما أسهل الدعاوى!!!

3 - الذين يجعلونه مظنوناً -ولو مع القرائن- يجوزون أن يكون في نفس الأمر كذباً أو خطأ ثم هم مع ذلك يوجبون العمل به مع ما يخالج نفوسهم من احتمال كونه باطلاً، والعمل به عندهم مكابرة وعناد لا يجوز .. !!! ثم أضيف فأقول: إن القائلين بأنها ظنية ويجب العمل بها، يلزمهم القول بأن الله أمر بما نهى عنه، وما ذمه في هذه الآيات، حيث أوجب أن نحكم في دينه وشرعه بأدلة متوهمة، وقد نهانا عن التخرص في الدين، وأخبر أنه خلاف الهدى الذي جاءهم من ربهم، وإذاً فلا فرق بين أهل الظن وبين أولئك المشركين الذين قال الله فيهم: (إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) (الأنعام:148). وقد نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقفوا ما ليس له به علم، بل جعل القول عليه بلا علم في منزلة فوق الشرك، كما في آية المحرمات في سورة الأعراف، حيث ترقى من الأسهل إلى الأشد، فبدأ بالفواحش، ثم بالإثم وهو أشد، ثم بالبغي وهو أعظم من الإثم، وبعده الشرك أشد منه، ثم القول على

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير